-->
يهود الفلاشا: الخيط الذي أبقى العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية على قيد الحياة

يهود الفلاشا: الخيط الذي أبقى العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية على قيد الحياة

 

يهود الفلاشا: الخيط الذي أبقى العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية على قيد الحياة


في العام 1977، تجددت الصراعات السلطوية داخل المجلس العسكري الشيوعي الحاكم لإثيوبيا، والمعروف اختصارا باسم حكومة «ديرغ», وانتهت هذه المرة بوصول مجموعة راديكالية يقودها الجنرال منغيستو إلى سدة الحكم.

تشدد منغيستو، والذي تحول بشكل آلي إلى ديكتاتور، في توثيق علاقته بالاتحاد السوفيتي على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أمر في أبريل 1977، بنفي 341 شخصًا أمريكيًا، ما بين مدني وعسكري، من أديس أبابا، منهيا بذلك علاقة حميمية بين البلدين استمرت منذ العام 1953.

أوجد قرار منغيستو فجوة عميقة في الجيش الإثيوبي، بما أن الخبراء الأمريكان والسلاح الأمريكي لم يعد الآن داعما له. وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على المساعدات العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب الأسلحة السوفيتية التي كان لها الصدارة في هذا الشأن. وعلى العكس من رغبة منغيستو في الإبقاء على التعاون الإسرائيلي الإثيوبي مغلفا بالسرية، فإن وزير الخارجية في الدولة العبرية موشيه ديان قرر أن يعلن ذلك رسميا في العام.

شهد العام التالي (1979)، توقيع معاهدة السلام (كامب ديفيد) بين مصر وإسرائيل، منهية صراعاً عسكرياً دامياً منذ إعلان قيام الكيان الصهيوني في العام 1948. أدت «كامب ديفيد» إلى التخفيض من القيمة الجيوسياسية لإثيوبيا بالنسبة لتل أبيب، التي لم تعد الآن في حاجة إلى حصار مصر، أو حتى ضربها عسكريا من الجنوب. ولكن ذلك لم يكن يعني إغلاقاً للملف الإثيوبي بالنسبة لمخططي الاستراتيجية في إسرائيل، بما أن أديس أبابا كانت لا تزال تملك أوراقًا للضغط على تل أبيب كي تزودها باحتياجاتها العسكرية. سواء من ناحية أنها كانت لا تزال تملك سواحل طويلة ومهمة على البحر الأحمر، أو من ناحية وجود يهود الفلاشا، وهم اليهود الإثيوبيون، الذين أصبح نقلهم إلى إسرائيل، على رأس أولويات قادة الكيان الصهيوني.

ظل الفلاشا، والمعروفون كذلك باسم «بيتا إسرائيل» خارج الأجندة السياسية الإسرائيلية أثناء حكم الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي، بسبب رفض الأخير التخلي عنهم. ولكن مع الإطاحة بالإمبراطور، ووصول مناحم بيجن تحديدا إلى رئاسة وزراء تل أبيب في عام 1977، أعيد طرح موضوع يهود الفلاشا مرة أخرى للتفاوض بين البلدين.

قبل ذلك، كان كبير حاخامات إسرائيل قد أعلن في العام 1975 أن بيتا إسرائيل يهود من أبناء قبيلة دان الضائعة، ثم تم منحهم حق العودة إلى أرض إسرائيل (حق إلياه). ولكن حكومة منغيستو ظلت مترددة في السماح للفلاشا بالرحيل إلى تل أبيب. ثم مع إصرار مناحم بيجن على تحريك المسألة، وافق الديكتاتور الإثيوبي، شريطة أن يكون السماح برحيل يهود الفلاشا في مقابل الأسلحة الإسرائيلية. وخلال الفترة المنحصرة بين عامي 1975 و1984، هاجر ثلاثة آلاف منهم إلى الكيان الصهيوني.

أدى اشتعال الحرب في منطقة القرن الإفريقي خلال منتصف الثمانينيات إلى تسارع وتيرة الرغبة الإسرائيلية في استدعاء اليهود الإثيوبيين، والذين قيل الآن إنهم أصبحوا في خطر داخل القرى التي يعيشون فيها بسبب الحرب. وبدأت نتيجة ذلك مفاوضات واسعة بشأن عمليات الترحيل، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى كل من مصر والسودان، بسبب مرور الطائرات التي تحمل الفلاشا عبر المجالات الجوية السودانية والمصرية على الترتيب، قبل التوجه إلى أوروبا ومنها إلى إسرائيل.

بدأ ترحيل الفلاشا، والذي عرف باسم عملية موسيس (عملية موسى) في نوفمبر من العام 1984، عندما تحرك الآلاف من يهود إثيوبيا إلى معسكرات لجوء في السودان، ثم استقل بعضهم طائرات بعد شهور إلى أوروبا، ومنها إلى إسرائيل. وقد ظلت العملية سرية تماما حتى كشفتها الصحافة الغربية أخيرا في يوم 6 يناير من العام 1985.

لم يهاجر أكثر من سبعة آلاف من الفلاشا إلى إسرائيل بين نوفمبر 1984 ويناير 1985، فيما بقي أربعة آلاف منهم في معسكرات اللجوء السودانية. ثم توقفت العملية أخيرا، ليستمر حوالي عشرين ألف يهودي فوق الأراضي الإثيوبية.

لم تعد عمليات التهجير للطرح مرة أخرى، إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، وتوقف المساعدات العسكرية من موسكو لإثيوبيا. في ذلك الوقت تحديدا، سعى منغيستو، والذي أصبح وجوده نفسه الآن مهددا بسبب اشتعال الحرب الأهلية بينه وبين الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية، إلى ابتزاز إسرائيل بقضية الفلاشا، كي يعود الدعم العسكري الصهيوني لشخصه. وقد أشارت تقارير في حدود العام 1990، إلى انفتاح قادة إسرائيل على دعم منغيستو، وإمداده بمجموعات جديدة من القنابل العنقودية، والخبراء العسكريين، بل وحتى الوحدات الإسرائيلية التي قاتلت في صفوفه.

عرفت العملية الجديدة لترحيل الفلاشا إلى إسرائيل باسم عملية سولومون (سليمان)، واتفق خلالها على نقل عشرين ألفاً منهم إلى معسكرات لجوء خارج أديس أبابا، ثم نقلهم في طائرات إلى تل أبيب. ولكن الانتصارات التي حققتها الجبهة الشعبية ضد منغيستو، حركت مخاوف إسرائيل من أن يقدم الديكتاتور الإثيوبي، على الانتقام من الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم خصومه، بالتخلص من يهود الفلاشا. وقد طمأن منغيستو كلا من واشنطن وتل أبيب بعدم نيته ذلك، بل ووضع خطة زمنية للإفراج عن الفلاشا من معسكرات أديس أبابا. ولكنه، وقبل إنفاذ العملية، فاجأ الجميع بالهروب إلى زيمبابوي في 21 مايو 1991، تاركا السلطة في أديس أبابا لصالح الجبهة الشبية، التي سارعت لإرضاء الولايات المتحدة، بترحيل الفلاشا إلى تل أبيب في 24 مايو 1991، حيث وجد 14420 منهم طريقًا آمنًا إلى تل أبيب.

0 تعليق على موضوع "يهود الفلاشا: الخيط الذي أبقى العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية على قيد الحياة"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel