-->
كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (3)

كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (3)

 

ميليس زيناوي رئيس وزراء إثيوبيا مع نظيره الإسرائيلي أرئيل شارون


في مايو من عام 1991، فر الديكتاتور الشيوعي منغيستو من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تاركا إياها غنيمة لخصومه في الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية. وبينما غادر معظم الدبلوماسيين المدينة، خوفا من وقوع مجازر داخلها على يد قوات الجبهة، آثر السفير الإسرائيلي أشير نايم - أول سفير لإسرائيل في أديس أبابا بعد عودة العلاقات بين البلدين رسميا في العام 1989 - أن يبقى مكانه، بعد أن رجح هدوء الأوضاع، بما أن منغيستو غادر إثيوبيا فعلا إلى زيمبابوي.

أثبتت الساعات القليلة التالية صدق توقعات نايم، إذ تمت السيطرة على العاصمة دون وقوع مشاكل. ووجدها السفير الإسرائيلي فرصة مثالية لتقديم بلاده إلى الحكام الجدد لإثيوبيا، فالتقى بعض قيادات الجبهة الشعبية أولا. ثم أصبح ثاني ممثل أجنبي يستقبل ميليس زيناوي، أول رئيس لإثيوبيا بعد رحيل منغيستو، والزعيم المستقبلي للبلاد، في أديس أبابا في 1 يونيو 1991.

رغم علم زيناوي بالدور السلبي الذي لعبته إسرائيل في إثيوبيا طوال العقود الماضية، حيث كانت على الدوام مسؤولة عن تسليح القوات الحكومية التي تقاتل الثوار المسلحين، فإنه، وفي براجماتية كاملة، آثر أن يوطد علاقته بتل أبيب، سعيا لإعادة الحياة إلى بلاده، التي مزقتها ثلاثة عقود من الحروب الأهلية، والنزاعات الحدودية، وموجات الجفاف الشامل.

في مقابل ذلك، كانت إسرائيل هي الأخرى في حاجة لأن تواصل علاقتها بإثيوبيا. لأنه على الرغم من انتهاء الصراع العسكري نظريا بين الدولة العبرية والعرب، بتوقيع معاهدة كامب ديفيد في العام 1979، أو قبول المنظمات الفلسطينية نفسها الحوار مع تل أبيب مطلع التسعينيات، وكذلك على الرغم من تحول إثيوبيا في العام 1991 إلى دولة حبيسة بعد انفصال إريتريا عنها، ما يعني خروج أديس أبابا من المعادلة السياسية في القرن الإفريقي، فإن إثيوبيا ظلت لها أهمية متجددة في الخيال السياسي لتل أبيب.

فمن جهة، كان الآلاف من يهود الفلاشا لا يزالون في إثيوبيا، وفي حاجة لنقلهم إلى إسرائيل. ومن جهة أخرى، كان قادة الأخيرة في حاجة لإقناع الدول الإفريقية المقاطعة لها، بالعودة للتطبيع معها، واتخاذ إثيوبيا نموذج، ومن ثم العودة للعب أدوار سياسية خطيرة في القارة السمراء. وأخيرا، ومع أن حلم إسرائيل بالسلام مع مصر تحقق أخيرا، فإن حقيقة عدم دفء ذلك السلام كما أراد قادة الكيان، كانت تدفعهم إلى المحافظة على إرث بن غوريون، ورغبته في تحويل إثيوبيا، بتحكمها في منابع النيل الأزرق، إلى «مصر ثانية» جنوب الصحراء، يمكنها أن تمارس ضغطاً وتهديداً مستمراً للأمن القومي للقاهرة.

أثر ذلك الاحتياج المتبادل على نمو العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية سريعاً. وبعد زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي في الحكومة الانتقالية تامرات لايني تل أبيب في العام 1994، بدأت آفاق التعاون بين البلدين في التحرك للأمام بوتيرة مرتفعة. خاصة بعد وصول ميليس زيناوي إلى رئاسة الوزراء في أغسطس من العام 1995، وإعلانه فوراً عن احتياجه لبرامج المساعدات الإسرائيلية، في المجالات التقنية والاقتصادية، على شاكلة تلك التي قدمتها الدولة العبرية لإثيوبيا بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن العشرين.

ركزت البرامج التقنية الإسرائيلية الجديدة على تحديث البنية التحتية للزراعة في إثيوبيا. وكان الفقر المائي الذي تعيشه إسرائيل في محيطها الجغرافي، قد فرض عليها اللجوء لإثيوبيا، حيث تتوافر المياه، والسعي إلى تحويلها إلى ظهير لزراعة المحاصيل وتوفير الأمن الغذائي لصالح تل أبيب.

تولى مركز التعاون الدولي في وزارة الخارجية الإسرائيلية (ماشاف)، مسؤولية عمليات التحديث تلك، عن طريق إرسال خبراء في الزراعة إلى إثيوبيا، وكذلك بتنفيذ برامج تطوير واسعة. كان واحداً من أبرز تلك البرامج «مشروع كوبو للري»، الذي كان تعاوناً بين ماشاف والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، الذي نجح في وقت قصير في مضاعفة المحاصيل التي كان الفلاح الإثيوبي ينتجها بالطرق التقليدية من 8 إلى 10 مرات دفعة واحدة.

تركت تلك البرامج أثرها على نمو التجارة بين إسرائيل وإثيوبيا، وطبقاً للشروط القديمة نفسها التي كانت عليها في الستينيات والسبعينيات. فكانت إثيوبيا تصدر إلى إسرائيل المواد الخام، مثل البن، وبذور الزيت، وبذور السمسم، والجلود. بينما تابعت إسرائيل تصدير المنتجات النهائية مثل المعدات الطبية، وأجهزة الكمبيوتر، ومنتجات السوفت وير إلى إثيوبيا. وفي العام 1998، كانت إثيوبيا قد أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في القارة الإفريقية. وارتفع حجم التجارة بين البلدين في التسعة شهور الأولى من عام 1998 بزيادة قدرها 135% عن نفس الفترة في العام السابق (1997).

في التسعينيات أيضًا، شجعت الحكومتان في تل أبيب وأديس أبابا، شركات القطاع الخاص على العمل في إثيوبيا التي كانت لا تزال في الكثير من القطاعات تعتبر أرضاً بكراً. وعهد على سبيل المثال إلى شركة «موتوريا إسرائيل وتيلاد» بتنفيذ مشروعات الاتصالات الرئيسية في إثيوبيا.

0 تعليق على موضوع "كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (3)"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel