-->
كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (2)

كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (2)

 

كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (2)


في سبتمبر من عام 1974، قام الكولونيل الإثيوبي منغيستو هيلا مريام، رفقة مجموعة من الضباط ذوي الرتب المنخفضة في الجيش، بانقلاب عسكري أطيح على إثره الإمبراطور هيلاسيلاسي بعد أكثر من أربعين عاما متواصلة في السلطة.

نجاح انقلاب منغيستو في خلع السلطة الملكية، وتحويل إثيوبيا إلى النظام الاشتراكي، فسر في إحدى زواياه بتخلي إسرائيل عن هيلاسيلاسي، انتقاما من مقاطعته تل أبيب أثناء حرب أكتوبر (يوم كيبور) 1973. وقد تبجح المسؤولون الرسميون في تل أبيب بذلك صراحة في وقت لاحق. مثل أشير نايم، أول سفير لإسرائيل في أديس أبابا عقب عودة العلاقات الدبلوماسية رسميا بين البلدين في 1989، والذي قال فور تسلمه المنصب: «لو كانت إسرائيل هنا، ما كانت الثورة لتحدث». وكذلك العضو السابق في القيادة العامة لقوات الدفاع الإسرائيلي، الجنرال ماتيتياهو بيليد، الذي أشار إلى نجاح المستشارين الصهاينة للبوليس السري الإثيوبي في الإفلات بهيلاسيلاسي من ثلاث محاولات انقلابية سابقة.

كان سؤال العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية يطرح نفسه بقوة بعد خلع الإمبراطور، لأن أديس أبابا كانت لا تزال مهمة جدا في التخطيط الاستراتيجي لقادة تل أبيب، سواء لدورها المحوري في سياسة التحالف المحيطي، أو الرمح الثلاثي، التي أقامتها إسرائيل من محور (تركيا، إيران، إثيوبيا) لمحاصرة القوميات العربية في مصر وسوريا والعراق، أو لموقعها الجيوسياسي على البحر الأحمر، وقبل انفصال إريتريا، والذي جعلها محطة الدعم الرئيسية للكيان الصهيوني في البحر الأحمر، عسكريا ولوجستيا.

ورغم أن الحكومة العسكرية التي فرضت سيطرتها على مقاليد الأمور في إثيوبيا، وتعرف باسم اللجنة التنسيقية للقوات المسلحة والشرطة والجيش، أو اختصارًا حكومة (ديرغ)، كانت ماركسية الهوى، ما يعني بالضرورة تعاطفها مع القضية الفلسطينية، وهو ما حدث فعلا كما سوف يذكر لاحقا، فإن ذلك لم يكن يعني أن جمهورية الضباط الجديدة في أديس أبابا سوف تتخذ موقفا متشددا من الصهيونية والكيان الصهيوني. بل على العكس، وفي براغماتية كاملة، قرر قادة ديرغ مواصلة التعاون العسكري والاقتصادي مع إسرائيل، وبنفس شروط الإمبراطور هيلاسيلاسي القديمة، حيث إبقاء العمل بين الطرفين سرياً قدر المستطاع.

كانت الصراعات الداخلية داخل ديرغ، هي التي قادت رجاله إلى تلك المتابعة لموقف هيلاسيلاسي من تل أبيب. فبعد فترة قصيرة من الإطاحة بقائد المجلس الجنرال الإثيوبي أمان أندوم في نوفمبر من العام 1974، وكان معروفًا بالوسطية، والرغبة في حسم الخلاف مع جبهة التحرير الإرترية وديا، ارتقى جناح متشدد إلى قيادة ديرغ، يؤمن بالحسم العسكري للخلافات المزمنة ضد الإرتريين، وكذلك الصومال. وهو الأمر الذي دفع الأنظمة السياسية في مصر والسودان وغيرها من القوى العربية، إلى مواصلة تقديم الدعم العسكري لجبهة التحرير الإرترية، وكذلك إلى الصومال.

لم يجد رجال ديرغ الجدد سوى طلب العون العسكري من إسرائيل. ولما كانت تلك الأخيرة قلقة من احتمال انفصال إريتريا، وبالتالي حرمانها من السواحل الإثيوبية المطلة على البحر الأحمر، إضافة إلى إدراكها أهمية إثيوبيا الجيوسياسية بالنسبة لها، فإنها سارعت بإرسال مجموعة من الضباط الإسرائيليين لتدريب فرق الجيش الإثيوبي المختلفة. وقد منح موشيه ديان، القائد العسكري الإسرائيلي الشهير، والذي عمل وزيرًا للخارجية عقب حرب أكتوبر، بعدًا عاطفيًا للمساعدات الجديدة المقدمة إلى أديس أبابا، حيث قال في لقائه بملك المغرب الحسن الثاني في سبتمبر من العام 1977، إن إسرائيل قدمت يدها لحكومة (ديرغ) ردا لجميل إثيوبيا التي وفرت الموانئ والمنشآت الجوية، عندما كانت إسرائيل تعاني من حالة يأس من قدرتها على العبور من مضائق البحر الأحمر التي أغلقتها مصر في وجه الملاحة الإسرائيلية خلال الخمسينيات.

ساعد الدعم الإسرائيلي الإثيوبيين كثيرا في الحرب ضد جبهة التحرير الإرتيرية. وقد تولى خبراء عسكريون من الصهاينة، مسؤولية تدريب فرقة الشعلة الإثيوبية، المجموعة العسكرية المهمة جدا، التي شكلها منغيستو هيلا مريام بنفسه، واستحوذ بها على السلطة منفردا في العام 1978.

كما قام الخبراء الإسرائيليون كذلك بتدريب القوات الإثيوبية على أسلوب حرب العصابات. وأمدوها بالدبابات السوفيتية من طراز T -54 وT -55، التي كان الجيش الإسرائيلي قد استولى عليها كغنائم من الجيوش المصرية والسورية في حرب يوم كيبور (أكتوبر 1973).وزودوا سلاح الجو الإثيوبي كذلك بقطع غيار أمريكية الصنع لمقاتلات من طراز «F -5».

الطريف أن ذلك التعاون العسكري ظل فاعلا حتى في ظل إعلان جنرالات ديرغ عن تعاطفهم مع القضية الفلسطينية. وهو ما ظهر بكثافة عقب اشتعال الحرب الإثيوبية الصومالية في إقليم أوغادين بين عامي 1977 و1978، والتي أمدت إسرائيل خلالها الجيش الإثيوبي بالصواريخ من نوع جو - جو، وقذائف النابالم، والقنابل العنقودية. كما مكنت الإثيوبيين من إدارة محطات الرادار، إضافة إلى إمدادهم بقطع غيار الدبابات والطائرات المصنعة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم أن حكومة ديرغ كانت حريصة على جعل ذلك التعاون سريا قدر المستطاع، فإن حقيقة الظهور الثقيل لإسرائيل فوق الأراضي الإثيوبية كان من الصعب إخفاؤها. وقد توالت التقارير الغربية الكاشفة لذلك الحضور في العام 1977، حيث نشرت إحدى الجرائد الفرنسية تقريرًا في فبراير منه، عن إنشاء إسرائيل قاعدتين جويتين فوق جزر إثيوبية في مضيق باب المندب، بغرض حماية خط النفط والبضائع الإسرائيلي الجنوبي، والذي يصل إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. وفي يوليو من العام نفسه، ذكرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» أن خبراء إسرائيليين، يقاتلون إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد الجيش الصومالي في أوغادين. ثم في أغسطس 1977، ذكرت تقارير أجنبية أن محاضرين من الجيش الإسرائيلي يدربون الوحدة السابعة الجديدة في الجيش الإثيوبي. وكانت تلك الوحدة قد شكلت حديثًا في شهر يوليو السابق، بغرض القتال ضد جبهة التحرير الإرترية. كما قال التقرير نفسه إن طيارين مقاتلين من إسرائيل، هم من يقودون المقاتلات الإثيوبية في المقاطعات الواقعة شمال البلاد.

0 تعليق على موضوع "كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (2)"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel