-->
كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (1)

كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (1)

 

كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (1)


في يونيو من عام 1966، أجري حوار صحفي مع رئيس الوزراء الأسبق شيمون بيريز، وكان وزيرا للخارجية في ذلك الوقت، سُئل خلاله عن أهداف السياسة الخارجية للكيان الصهيوني، فأجاب بأن ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء للدولة العبرية، وضع ثمانية أهداف خارجية، متعددة الوجهات الجغرافية، بهدف ضمان أمن إسرائيل، ومنحها القدرة على البقاء في المحيط العربي الرافض لها.

كانت أحد تلك الأهداف يتعلق بعلاقات إسرائيل مع بلدان القارة الإفريقية. ووفقا لشيمون بيريز، فإن بن غوريون وضع إثيوبيا على رأس اهتماماته في هذا السياق، وأعلن رغبته في تقوية إثيوبيا اقتصاديا وعسكريا، كي تصبح، والتعبير هنا لبن غوريون، «مصر ثانية» في القارة السمراء. وكان يعني خلق قوة إفريقية منافسة لمصر، الخصم الأكبر لإسرائيل، يجعلها على الدوام تحت الضغط السياسي.

تصريحات بيريز الصادرة منتصف الستينيات، تزامنت مع فترة هامة جدا في تاريخ العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، حيث كانت إثيوبيا في ذلك الوقت، إلى جانب تركيا وإيران، أحد أضلاع ثلاثة، شكلوا ما يعرف بالتحالف المحيطي، أو الرمح الثلاثي. وهو مخطط استراتيجي وضعه قادة الكيان الصهيوني في خمسينيات القرن العشرين، يهدف إلى حصار القوميات العربية في مصر وسوريا والعراق، بدول تمتلك ماضيا معقدا مع تلك البلدان الأخيرة. ومثلت إثيوبيا تحديدا من بين دول التحالف المحيطي، رأس الحربة التي وجهته إسرائيل من الجنوب لمصر، بسبب موقعها الجيوسياسي الممتاز، والذي تمتلك بفضله النيل الأزرق، الذي يمد مصر بالجانب الأكبر من حصتها التاريخية من مياه النيل. وبالتالي، قدم الإثيوبيون فرصة هائلة لإسرائيل كي تهدد مصر بحرمانها من تلك الحصة، إن هي أصرت على حرب الوجود ضدها.

وكي تضمن إسرائيل موافقة إثيوبيا على الانضمام إلى «الرمح الثلاثي» وعد قادتها نظراءهم في أديس أبابا بتطوير الدولة الإثيوبية المتخلفة تقنيا على يد الخبراء الفنيين من تل أبيب. كما أعلنوا نيتهم دفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى أقصى مدى، بما يوفر المكاسب لكل منهما.

نتيجة تلك الوعود، استأثرت إثيوبيا بمعظم برامج المساعدات التقنية التي قدمتها إسرائيل للدول الإفريقية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومنحت تل أبيب شهرة واسعة في القارة. وكان عام 1957 شاهدا على أول البرامج الفنية التي نفذتها الدولة العبرية في إثيوبيا، حيث دشن الخبراء الصهاينة «برنامج تنمية مصايد الأسماك الإثيوبية»، بهدف تحديث أسطول الصيد الإثيوبي، ودعم أديس أبابا بثلاجات حفظ الأسماك لحمايتها من التلف بسبب درجة الحرارة المرتفعة في إقليم البحر الأحمر.

جاءت تنمية إسرائيل للثروة السمكية في إثيوبيا، بعد عام واحد من نجاح الحملة الإسرائيلية على سيناء - ضمن حرب السويس أو العدوان الثلاثي على مصر - في إعادة فتح مضائق تيران أمام ملاحة تل أبيب. وفي مقابل الدور الذي لعبه ذلك البرنامج في منح إثيوبيا القدرة على زيادة عوائدها من الصادرات، فإن إسرائيل حصلت في المقابل على مصدر مستمر للطعام، يتمثل في الأسماك الإثيوبية المستوردة.

برنامج تقني آخر قدمته إسرائيل لأديس أبابا، كان يتعلق بتطوير نظام الحافلات الإثيوبي. ففي العام 1961، طلبت إثيوبيا من تل أبيب المساعدة في مجال النقل الداخلي، فردت الأخيرة بإرسال خبراء تقنيين من شركة الحافلات الإسرائيلية (إيجيد)، أقاموا في العاصمة الإثيوبية أربع سنوات كاملة، كان خلالها المدير العام للشركة الإثيوبية للحافلات، إضافة إلى مديرها التقني من رجال «إيجيد». ولم يغادر هؤلاء إلى إسرائيل إلا بعد تحديث المنظومة الإثيوبية بشكل مرضي.

اشتملت المساعدات الإسرائيلية لإثيوبيا كذلك على برامج الإغاثة الإنسانية. مثل الحملة التي أطلقها أطباء من الدولة العبرية لعلاج التراخوما، أو الرمد الحبيبي، والذي كان منتشرا بكثافة في إثيوبيا ويسبب العمى في حالة تماديه. كما قدمت تل أبيب أيضا، برنامجاً أكاديمياً لأديس أبابا، كان الأكبر من نوعه الذي تقدمه إسرائيل لأي دولة إفريقية. وطوال الفترة من عام 1959 حتى عام 1973، خدم أكثر من 200 إسرائيلي في الجامعات والمعاهد الإثيوبية كمدراء أو معلمين. وقد تركت كل تلك البرامج أثراً إيجابياً ملحوظاً على حجم التجارة المتبادل بين إسرائيل وإثيوبيا. حيث كان الكيان الصهيوني يصدر إلى الأخيرة المنتجات النهائية والأجهزة الإلكترونية، بينما اكتفت إثيوبيا بتصدير المواد الخام إلى تل أبيب، وعلى رأسها البن واللحوم.

0 تعليق على موضوع "كيف خططت إسرائيل لتحويل إثيوبيا إلى «مصر ثانية» في إفريقيا؟ (1)"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel