-->
لماذا رفضت تركيا استقلال الجزائر ودعمت المحتل الفرنسي؟!

لماذا رفضت تركيا استقلال الجزائر ودعمت المحتل الفرنسي؟!

 

لماذا رفضت تركيا استقلال الجزائر ودعمت المحتل الفرنسي؟!


في يوليو من العام 1830، سقطت مدينة الجزائر في أيدي قوات الاحتلال الفرنسي. فكون أهل مدينة قسنطينة تحت قيادة أميرها أحمد بك جيشا لمقاومة الفرنسيين وطردهم من البلاد. ولما كانوا في عوز من السلاح والرجال، فقد أرسل أحمد بك برسالة إلى السلطان العثماني محمود الثاني، يسأله المدد قبل أن تسقط الجزائر في أيدي أعداء الوطن والدين لفترة لا يعلمها إلا الله.  ولكن السلطان لم تحرك مشاعره استغاثة البك كثيرا، وبدلا من المدافع والبنادق والجنود، أرسل إليه فرمانا بمنحه لقب الباشوية، مضافا إليه بردة، ونيشان مرصع كهدايا. لما وصلوا أحمد بك نحاهم جانبا، وراح يقاتل بالفئة القليلة التي معه قتال اليائسين، حتى خسر في الأخير، وتم الفوز لفرنسا، التي حصلت على الجزائر هدية من العثمانلي، تسوم أهلها سوء العذاب، وتذيقهم أشد ألوان التنكيل. 

وبعد نحو 127 عاما كاملة. تحديدا في العام 1957، كان الثوار في جبهة التحرير الجزائرية يخوضون حربا ضروس ضد الفرنسيين لنيل استقلالهم. ولعلمهم بتحالف تركيا وفرنسا في ذلك الوقت بحكم اشتراكهما في حلف الناتو، فقد بعثوا برسالة إلى حكومة رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، عبر السفارة التركية في القاهرة، يطالبوه باستغلال علاقاته الممتازة بدول الغرب الأوروبي، للضغط على فرنسا، وقبول التفاوض مع جبهة التحرير، لمنح الجزائريين الحق في الحكم الذاتي والاستقلال. ولكن مندريس تلقى الرسالة ولم يحرك ساكنا، بل واصل إصراره على دعم الموقف الفرنسي تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما كان يمتنع عن التصويت في كل مرة تناقش فيه المنظمة الدولية مشروعا يمنح الجزائر في الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي. 

ثمة تباعدا زمنيا كبيرا بين الموقفين السابقين. ولكن أوجه الشبه الظاهرة بينهما، تجبر المرء على المقارنة. فأطراف الحكاية هنا وهناك ثابتة دون تغير: الجزائريون، وفرنسا، وتركيا. وفي الموقفين، كان الجزائريون يستغيثون بالأتراك لإعانتهم ضد الفرنسيين. مرة بالحرب، ومرة بالدبلوماسية. وأخيرا، وهذا هو الأهم، أن تركيا لم تغير موقفها من ذلك الاستصراخ الجزائري في كل مرة، إذ أصر الأتراك، سواء في نسختهم العثمانية بإسطنبول، أو في نسختهم الجمهورية بأنقرة، على خذلان الجزائريين، وتركهم يواجهون مصيرا مجهولا. مع زيادة أنه في الموقف الثاني، لم تكتفي تركيا بسلبيتها تجاه المستنصرين بها، بل زادت على هذا اصطفافها حتى مع أعداء هؤلاء الأخيرين، ونصرتهم. 

التقرير التالي يرصد حادثة الخذلان التركي الثانية تجاه الجزائر، والتي جرت أثناء حرب استقلال الأخيرة عن فرنسا بين عامي 1954 و 1962..

في نوفمبر من العام 1954، اندلعت حرب تحرير الجزائر عندما قام نحو 1200 مجاهد جزائري بأسلحة خفيفة، بالقيام بعدة عمليات ضد أهداف مدنية وعسكرية فرنسية في الجزائر. وأعلنوا أن هدفهم طرد المحتل الفرنسي، والاستقلال بالبلاد التي رزحت تحت وطأة الأخير لأكثر من 120 عاما. 

رد فرانسوا ميتران، وزير الداخلية الفرنسي في حكومة منديس فرانس على الثورة الجزائرية بالقول في حسم: "الجزائر هي فرنسا. من الفلاندرز إلى الكونغو، لا يوجد غير قانون واحد، وأمة واحدة، وبرلمان واحد. الحرب هي المفاوضات الوحيدة". وكان هذا إعلانا رسميا من الطرف الفرنسي بقبول التحدي العسكري ضد الثوار. وأتبع هذا سنوت دامية، سقطت خلالها أعدادا هائلة من الجزائريين الذين ارتضوا النضال المسلح لنيل حريتهم. 

في ذلك الوقت، كانت تركيا، ومنذ العام 1952، عضوا في حلف الناتو، والذي كونته الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الغرب الأوروبي، لمواجهة الاتحاد السوفيتي في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، يبدي في ذلك الوقت حماسة لا نظير لها لهذه العضوية، ويظهر تعضيده الكامل لموقف القوى الإمبريالية في الشرق الأوسط، على حساب الشعوب العربية. 

وقد تجلى موقف مندريس على خير ما يكون عندما قام بالإشراف - بإيعاز من بريطانيا - على تكوين حلف بغداد، من قوى شرق أوسطية مثل العراق وباكستان وإيران، بهدف محاصرة القومية العربية الصاعدة في مصر وسوريا. ثم عندما اصطف مع الغرب الأوروبي ضد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس (يوليو 1956)، وأيد قرار الولايات المتحدة والبنك الدولي وقف تمويل السد العالي الذي كانت القاهرة تبنيه في جنوب البلاد. ثم دعم - دون التدخل العسكري - حرب السويس التي قامت بها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر في أواخر أكتوبر 1956. 

وعندما أعلن عن تدشين حرب تحرير الجزائر، جاء موقف مندريس متماشيا مع سياساته العامة ضد العرب. على الرغم حتى من التعاطف الظاهر في تركيا نفسها مع الثورة الجزائرية، على المستوى الشعبي، وعلى مستوى النخبة المثقفة، وحتى وسائل الإعلام التركية. 

كانت البداية من سبتمبر 1955، عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة إجراء تصويت لأعضائها لمناقشة "المشكلة الجزائرية". وفضلت تركيا أن تكون ضمن 26 دولة صوتت ضد قرار المناقشة من الأساس، بينما صوتت 39 دولة في صالح القرار، وامتنعت 5 دول عن التصويت.

وبعد اشتداد حدة المعارك في الجزائر بين الثوار وقوات الاحتلال الفرنسي، و"دولنة" القضية على مستوى العالم. ظل عدنان مندريس مصرا على موقفه الداعم للفرنسيين. وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الفرنسي فيلكس جايارد عندما التقى رئيس الوزراء التركي في أنقرة، في 20 ديسمبر 1957، وشكره علانية على موقفه المناصر للطرف الفرنسي في مسألة الجزائر.

وعندما أعلنت جبهة التحرير الوطنية عن تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرهاد عباس، في مؤتمر صحفي عقد في القاهرة في 19 سبتمبر 1958، سارعت دولا مثل الصين وفيتنام وإندونيسيا وكوريا الشمالية، إضافة إلى كل الدول العربية عدا لبنان للاعتراف بالحكومة الوليدة. بينما رفض عدنان مندريس الاعتراف بها، ما دفع أفراد النخبة المثقفة التركية، خاصة من الجناح اليساري، لاتهام مندريس بخيانة الأيديولوجية القومية التركية، بحكم التشابه بين نضال الشعب الجزائري لنيل الاستقلال، مع حرب الاستقلال التركية اليونانية التي خاضها الأتراك تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك بين عامي 1919 و 1923، وأفرز قيام الجمهورية التركية الحديثة. 

لم يعبأ مندريس بتهم الخيانة تلك، وأكمل دعمه المطلق لفرنسا في قمعها الدامي للثورة الجزائرية. ففي ديسمبر 1958، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت على قرار يمنح الجزائر الحق في الحكم الذاتي، ويطرح مبدأ التفاوض بين الثوار والحكومة الفرنسية. وكعادته، أمر مندريس مندوبه الدائم لدى الأمم المتحدة بالامتناع عن التصويت على المشروع. وكان يقلد في ذلك الولايات المتحدة التي امتنعت هي الأخرى. ولكن شتان ما بين الامتناع التركي والامتناع الأمريكي. فقد نظر العالم إلى الأخير باعتباره دليلا جديدا على النوايا الأمريكية لتصفية الاستعمار القديم في الشرق الأوسط والحلول محله، ما ظهر سابقا في رفضها لحرب السويس. أما الموقف التركي، فقد اعتبر دليلا جديدا على الدعم الدبلوماسي التركي لفرنسا. والأهم، برهانا على خيانة تركيا لقضية الجزائريين وكل الشعوب المنسحقة في العالم.

على أي حال، ظل عدنان مندريس مخلصا لموقفه. حتى بعد أن أعلن الزعيم الفرنسي شارل ديغول في 16 سبتمبر 1959، عن حق الجزائريين في الحكم الذاتي شريطة عودة الهدوء وتوقف الحرب. ففي 12 ديسمبر 1959، وعندما قدم مشروع أفرو آسيوي جديد إلى الأمم المتحدة للتصويت على منح الجزائر الحق في الحكم الذاتي، فإن رئيس الوزراء التركي وللمرة الثانية امتنع عن التصويت.

ولن تتخلص تركيا من تلك الحالة المخزية تجاه الجزائر إلا مع انقلاب الجيش التركي العام 1960، والإطاحة بعدنان مندريس ثم إعدامه شنقا. فقد أبدت حكومة الانقلاب العسكري، وتحت وطأة احتياجاتها للطاقة، رغبتها في تدشين علاقات سياسية طيبة مع البلدان العربية. واعتبر القادة الأتراك أن موقفا إيجابيا تركيا تجاه المسألة الجزائرية، من شأنه أن يكسب أنقرة التعاطف المفقود في الشارع العربي. هكذا تحدث سليم صاربر، وزير الخارجية التركي وقتها، عن تركيا التي "تنتمي إلى المنطقة الأفروآسيوية، و تدعم تطلعات شعوبها للحرية والاستقلال". كما عرضت الحكومة التركية الوساطة في حل المسألة الجزائرية، وهو ما رفضه الفرنسيون. وأخيرا، أعلن الرئيس التركي جمال جورسيل في لقاء عقده بالقاهرة عن دعم بلاده الصريح لتطلعات الحكم الذاتي لدى الجزائريين.

وبناء على ذلك التحول، سارعت تركيا أخيرا إلى التصويت بـ "نعم" على قرار الأمم المتحدة رقم 1573 والخاص بحق الجزائريين في الحكم الذاتي. ثم أعلنت تأييدها لاستقلال الجزائر رسميا والذي وقع في 5 يوليو 1962، بناء على مفاوضات شاقة امتدت من شهر مارس من نفس العام بين الحكومة الجزائرية المؤقتة، والحكومة الفرنسية. 

ولكن هل نسي الجزائريون موقف الأتراك من قضيتهم العادلة طوال حكم عدنان مندريس؟!..

لا بالطبع. وقد أكد المسؤولون في الجزائر بعد الاستقلال على عدم نسيانهم تلك السياسة التركية المعيبة تجاههم، والتي تتضاد كليا مع سياسات دول أخرى، على رأسها مصر، احتضنت الثورة الجزائرية منذ البداية، ودعمتها بالمال والرجال. 

فها هو فرهاد عباس، أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة، يقول في العام 1963: " لقد خذلت تركيا الجزائر وتركت أهلها وحدهم في اليأس حين احتاجوا إليها".

وها هو هواري بومدين، الزعيم الجزائري الشهير، الذي سأله صحافي تركي يدعى لطفو أكدوغان في يونيو من العام 1965، رؤيته لمستقبل العلاقات التركية الجزائرية، فرد بأن الجزائر ستظل مستاءة من موقف تركيا الداعم للفرنسيين في الأمم المتحدة، والذي يعد نكرانا تركيا لعلاقات تاريخية بين تركيا والجزائر امتدت لـ 300 عام أثناء الحكم العثماني. 

وقد ظل هذا الموقف التركي عقبة أمام تسيير علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية سليمة بين تركيا والجزائر طوال السنوات اللاحقة من القرن العشرين، إلى درجة أن الرئيس التركي تورغوت أوزال وجد نفسه أثناء زيارته العاصمة الجزائرية في فبراير 1985، مجبرا على الاعتذار عن موقف عدنان مندريس في الخمسينيات من القضية الجزائرية، ومتمنيا من الطرف الجزائري، تخطي ذلك، والدخول في علاقات طبيعية مع الأتراك. 

ولكن. هل الجزائري الذي لدغ من الثعبان التركي مرتين، بالزي العثماني التقليدي، ثم بأزياء الفرنجة، يمكنه أن يأمن على نفسه من جديد، أو يحس اطمئنانا؟!.. تلك حكاية أخرى..

0 تعليق على موضوع "لماذا رفضت تركيا استقلال الجزائر ودعمت المحتل الفرنسي؟!"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel