-->
بنهر «مانافجات».. تركيا تعطش العرب وتبيع المياه لإسرائيل

بنهر «مانافجات».. تركيا تعطش العرب وتبيع المياه لإسرائيل

 

بنهر «مانافجات».. تركيا تعطش العرب وتبيع المياه لإسرائيل


في يونيو من عام 1990، أعد مهندس المياه الإسرائيلي أبراهام شيمتوف، تقريرًا لصالح «تاهال»، وهو معهد متخصص في التخطيط المائي والبحث مملوك لحكومة تل أبيب، أوصى خلاله بضرورة شراء الدولة الصهيونية للمياه من تركيا لعلاج أزمة الشح المائي المزمنة التي تعانيها. وعين شيمتوف نهر مانافجات تحديدًا، الواقع في الجنوب الغربي من الأناضول، على بعد  80 كيلومترًا من محافظة أنطاليا، وينتج سنويا نحو 4.7 مليار متر مكعب، ليكون المصدر الذي ستحصل منه إسرائيل على المياه العذبة، أولا بسبب ارتفاع درجة نقاء مياهه مقارنة بأنهار تركيا الأخرى، وثانيا بسبب الفائض الكبير الذي ينتجه النهر ويقدر بنحو بـ180 مليون متر مكعب ينتهي بها الحال مختلطة بالماء المالح للبحر المتوسط. 

وبعد نشر تقرير تاهال بنحو ثلاث سنوات، قال شيمون بيريز وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلي في ذلك الوقت لمجموعة من الصحفيين الأتراك (نوفمبر 1993)، إن إسرائيل لا تجد مانعًا في استيراد المياه من تركيا، وتعتبره مماثلا لاستيرادها احتياجاتها من الغاز الطبيعي. 

وبالتزامن مع وصول العلاقات التركية - الإسرائيلية إلى أقصى درجات التعاون في العام 1996، نشرت تل أبيب تقريرًا تحت عنوان «تطورات التعاون في الشرق الأوسط ومنطقة شرق المتوسط»، رشحت خلاله دول إسرائيل ومصر والأردن والحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية للتعاون سويا، واستيراد المياه من تركيا. 

وقد جاء القحط الذي ضرب الأراضي الفلسطينية في موسم الأمطار 1998 - 1998، ثم إعلان هيئة الأعمال الهيدروليكية التركية (DSI)، في 8 ديسمبر 1998 عن مشروع مانافجات لتصدير المياه العذبة إلى دول شرق المتوسط، والبدء فعليًا في تصدير المياه إلى الأتراك في الشمال القبرصي المحتل (نحو 7 ملايين متر مكعب مياه سنويَا)، بمثابة المحفزات الحاسمة لإسرائيل للمضي قدمًا ومفاتحة الحكومة التركية في مسألة شراء المياه منها. والتقط الرئيس التركي سليمان ديميريل ذلك جيدا أثناء زيارته إلى تل أبيب في 14 يوليو 1999، مؤكدا أن «أنقرة تخطط لمد إسرائيل بـ180 مليون متر مكعب من المياه كل عام، تزيد إلى 4 مليارات متر مكعب في المستقبل، ما يسد احتياجات إسرائيل إلى الأبد وبتكلفة أقل من التحلية».

على الرغم من ذلك، كانت الحكومة الإسرائيلية منقسمة داخليا حول شراء المياه من تركيا. ففي الوقت الذي فضل فيه وزراء البنية التحتية والزراعة في تل أبيب، تحلية مياه البحر على اللجوء لمانافجات، بسبب عدم رغبتهم في اتكاء إسرائيل على دولة أخرى بمسألة حساسة مثل مسألة المياه، فإن الخارجية الإسرائيلية ظلت تنظر إلى استيراد المياه عالية النقاء من مانافجات باعتباره الحل الأمثل لمشكلة إسرائيل المائية، وكذلك كوسيلة لتعميق العلاقات مع تركيا، أكبر حليف استراتيجي للصهيونية في الشرق الأوسط. وجاء تأييد الوكالات الحكومية الإسرائيلية المشتغلة بالمياه، مثل شركة المياه الحكومية الإسرائيلية (ميكوروت)، ومكتب مفوضية المياه للرأي الثاني، لينهي حالة الجدل ويدفع بالمشروع مع الأتراك إلى مرحلة التفاوض. 

قبل التفاوض، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك مستشاره لشؤون المياه، نوح كينارتي، بوضع خطة لعملية شراء المياه من تركيا. ورد كينارتي بتقرير رفعه إلى باراك في 17 أبريل من العام 2000، اقترح فيه أن تستورد تركيا 50 مليون متر مكعب من المياه من تركيا سنويا، تنقل عبر خزانين عملاقين إلى محطة خاصة في عسقلان. ومن هناك تمرر المياه عبر قنوات لاستخدامها في استصلاح الأراضي بصحراء النقب. كما اقترح كينارتي أن تكون كلفة المتر المكعب الواحد أقل من دولار أمريكي واحد، أي بنفس سعر التحلية.

بعد صدور التقرير الأخير، سافر وفد إسرائيلي عالي المستوى إلى تركيا في 19 يونيو 2000 لطرح الأمر على الجانب التركي. وتقرر في اللقاء الأول، رصد تل أبيب لـ20 مليون دولار لصالح تجهيز المحطة المستقبلة لمياه مانافجات المستوردة. وكذلك قنوات الأنابيب بطول 13 كيلومترا، والتي ستسير فيها تلك المياه حتى منطقة تل لاكيش جنوب إسرائيل. ثم التقى الطرفان مرة أخرى في 30 يونيو 2000 لمناقشة سعر الصفقة وتكلفة النقل. وحاول الطرف الإسرائيلي تخفيض سعر المتر مكعب الواحد من 23 سنتًا إلى 15 سنتًا. ثم الوصول بالسعر النهائي مع إضافة تكلفة النقل إلى 50 أو 55 سنتًا للمتر المكعب الواحد. وفي نوفمبر 2000، أمر أبراهام شوخات وزير المالية الإسرائيلي بعقد مفاوضات رسمية مع الطرف التركي في أنقرة، بعد أن أبدى الأخير مرونة في قبول خفض السعر.

على إثر ذلك، زار وفد إسرائيلي جديد العاصمة التركية أنقرة في 22 يناير من العام 2001. واتفق مع المسؤولين الأتراك على التوقيع على عقد لمدة 10 سنوات، تشتري إسرائيل من خلاله 50 مليون متر مكعب من المياه سنويا من تركيا. وأكد وقتها جلعاد كوهين، المتحدث باسم السفارة الإسرائيلية في أنقرة، أن بروتوكول المحادثات وقع بالفعل. وأن فريقًا تركيًّا سوف يسافر إلى إسرائيل لمناقشة التكلفة النهائية لنقل مياه مانافجات إلى إسرائيل. كما أكد أن مزادًا دوليا سوف يفتتح في شهر مارس من العام 2001، للرسو على أفضل العروض المقدمة من الشركات المسؤولة عن نقل المياه.

ولكن هذه الأجواء الإيجابية سرعان ما أفسدها الإصرار الإسرائيلي على التخفيض من جديد في القيمة الإجمالية للصفقة، وعدم تحمل تكلفة النقل، أو تنقية المياه، وهو ما أشعر الأتراك بخيبة الأمل. لذا، اتفق الطرفان في اجتماع عقد 24 مايو 2001، على تأجيل القرار النهائي لما بعد الفراغ من المزاد الدولي للمشروع في إسرائيل. 

وقد حاول وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت بنيامين بن اليعازر التدخل لحل الأزمة، عبر زيارة قام بها لتركيا في الأسبوع الأول من يوليو 2001، اقترح فيها على الأتراك تحديث دبابات الجيش التركي في مصانع الدفاع الإسرائيلية مقابل مياه مانافجات. لكن لم يقنع ذلك العرض الأتراك كفاية للتوقيع على الاتفاق.

ثم جاء الانخفاض المستمر في منسوب بحيرة طبرية خلال ذلك الوقت، ليدفع رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون لطرق الأبواب التركية من جديد، وإعادة التفاوض حول مياه مانافجات.

هذه المرة، استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس وزير الطاقة التركي السابق زكي شاكان، بعرض مختلف، ظلت فيه النسبة السنوية من مياه مانافجات ثابتة عند رقم 50 مليون متر مكعب، فيما ارتفعت المدة الزمنية للعقد من عشر سنوات إلى عشرين عاما، مع إمكانية مدها خمس سنوات أخرى، على أن يكون افتتاح المشروع عام 2004.

ولكن بعد شهور قليلة من اتفاق شارون مع "شاكان"، كانت تركيا على موعد مع تحول سياسي خطير، إذ وصل حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية، وزعيمه رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم في أنقرة في نوفمبر 2002. وبينما كان مفترضًا أن يؤدي ذلك إلى تعطيل صفقة المياه التركية الإسرائيلية، فإن أردوغان أبدى استعداده لإكمالها أثناء زيارته القدس ولقائه شارون العام 2005. لكن استمر الخلاف حول الثمن النهائي للصفقة. وهو الأمر الذي أكدته الباحثة الإسرائيلية شيرا عفرون، وبناء على رسائل إلكترونية تبادلتها مع باحث تركي في الشأن الإسرائيلي، وظل عائقا يمنع إتمامها والوصول بها إلى المحطة الأخيرة. ومن ثم كتب عليها التجميد النهائي، وتوقف الحديث عنها على الجانبين التركي والإسرائيلي. 

اليوم، يبدو استدعاء ملف مانافجات ضروريا في ظل حرب المياه التي تخوضها تركيا ضد البلدان العربية في الشرق الأوسط، حيث تعرض العراق لخطر الجفاف الشامل بفعل سد إليسو جنوب شرق الأناضول، بينما تحرم نحو مليون سوري في محافظة الحسكة بالشمال السوري من مياه الشرب النظيفة. وفي ظل استمرار فقر إسرائيل المائي. فمن جهة، يمكن أن تعرض تركيا قريبا بيع مياه مانافجات للعرب، المتضررين الأكبر من السدود التركية فوق دجلة والفرات. ومن جهة أخرى، يمكنها أن تعيد الكلام مع إسرائيل حول الصفقة، خاصة بعد المصالحة بين أنقرة وتل أبيب برعاية الإدارة الأمريكية في العام 2016. فهل ينجح الأتراك في تسليع المياه، وبيعها للعرب والصهاينة، كما حلموا منذ ثمانينيات القرن الماضي؟!

0 تعليق على موضوع "بنهر «مانافجات».. تركيا تعطش العرب وتبيع المياه لإسرائيل"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel