-->
بايزيد الثاني.. خان الأندلس وكسره المماليك وكرمته إسرائيل

بايزيد الثاني.. خان الأندلس وكسره المماليك وكرمته إسرائيل

 

بايزيد الثاني يستقبل يهود السفارديم في إسطنبول


هو بايزيد الثاني هو ابن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان بن عثمان بن أرطغرل، ثامن السلاطين من آل عثمان والذي حكم إسطنبول بين عامي 1481 و1512، فقتل خلالها أخاه جم بعد مطاردات مثيرة، وحارب المماليك فانكسر، وخان مسلمي الأندلس الذين استصرخوه فلم ينصرهم، وفتح بلاد مملكته أمام اليهود فعاشوا فيها في أمن بعد خوف، وسلام بعد أن كادوا يهلكون عن آخرهم، لذا تراهم إلى اليوم في إسرائيل يكرمون ذكراه ويحتفون بها كثيرًا.

العرش.. مزين بدماء الأخ

ولد بايزيد في ديسمبر من العام 1447، وكان أكبر أولاد أبيه السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح. حكم في شبابه مقاطعة أماسيا التي كان يعني توليها اختيار أميرها وليا لعهد السلطنة العثمانية. ورغم ذلك، فقد أصبح على بايزيد حين مات أبوه عام 1481 أن يخوض صراعا صعبا على السلطة ضد أخيه الأمير جم. 

كان الأمير «جم» عندما بلغه وفاة أبيه محمد الفاتح يقيم في بورصة، وقد استطاع أن يتحصَّل على اعتراف السُّكان به سلطاناً على الدَّولة العثمانيَّة في المناطق الخاضعة له، وبعد أن استتبَّ له الأمر في بورصة وما حولها؛ أرسل إِلى أخيه بايزيد يطلب منه عقد الصُّلح، ويقترح عليه التَّنازل، أو تقسيم الدَّولة العثمانيَّة إِلى قسمين: القسم الأوربيِّ لبايزيد، والقسم الآسيويِّ له، لكن بايزيد رفض؛ وأصرَّ على أن تبقى الدَّولة موحَّدةً تحت سلطته، وأعدَّ جيشاً ضخماً سار به إِلى بورصة وهاجمها، ففرَّ منها «جم» إِلى سلطان المماليك قايتباي في مصر الذي رحَّب به، وأكرمه، وأمدَّه بجميع ما احتاجه من أموالٍ للسَّفر مع أسرته إِلى الحجاز؛ لأداء فريضة الحجِّ.

ولما عاد جم من الأراضي المقدَّسة إِلى مصر اتصل بكبار أتباعه في الأناضول، وأثارهم ضدَّ بايزيد، وتقدَّم بأتباعه لمواجهة الأخير ولكن جم انهزم مرتين، فهرب إلى رودس.

في رودس، عقد «جم» اتفاقا مع حكامها من فرسان القدِّيس يوحنا، وهي جماعة صليبية قديمة، سرعان ما نقضه تحت ضغط بايزيد، فأصبح «جم» سجيناً في جزيرة رودس، وكسب فرسان القدِّيس يوحنا بهذه الرَّهينة الخطيرة امتيازاتٍ، سواء من بايزيد الثَّاني، أو من أنصار «جم» بالقاهرة، ثم باعوا الأمير جم إلى البابا إنوسنت الثَّامن، فلمَّا مات الأخير، أصبح «جم» أسيرًا لخلفه البابا إِسكندر السَّادس. وكان بايزيد الثاني قد قرر أن يتخلص من متاعب أخيه إلى الأبد فأوعز إلى من دس السم لـ جم وهو في روما، فمات في العام 1495 وخلا العرش أخيرا لبايزيد من أي منافس.

ينكسر أمام المماليك

خاض بايزيد الثاني صراعا كبيرا مع سلاطين المماليك في مصر والشام على طول الحدود بين الدولتين شمال الشام، وتداخل هذا الصراع مع لحظة تاريخية فاصلة في حياة المسلمين بالأندلس، حيث كان ملكهم في إسبانيا على وشك الزوال، وطلبوا النجدة من المماليك والعثمانيين، لكن الانشغال المملوكي بالاعتداءات العثمانية على أراضيه أوقفت أي مشروع إسلامي لإنقاذ مسلمي الأندلس. 

ففي ذي القعدة من العام 982 هـ/نوفمبر 1487، وفدت سفارة من غرناطة على البلاط المملوكي في القاهرة. والتقى رئيسها ابن الأزرق بالسلطان المملوكي الأشرف قايتباي، مبلغا إياه رسالة ملك غرناطة أبي عبد الله، والتي طلب فيها نجدة المماليك ضد ملك قشتالة فرناندو، الذي كان على وشك تنفيذ هجوم شامل على آخر معاقل المسلمين في الأندلس، غرضه نزع الإسلام عن الجزيرة للأبد.

أثارت كلمات ابن الأزرق الحزن في أنفس الحاضرين من أمراء المماليك وفقهاء مصر وقضاتها الأكابر. كان يروي عن الحصون الإسلامية التي تقع في أيدي الصليبيين بالأندلس. وعن غدر فرناندو بأهالي تلك الحصون بعد منحها الأمان، وأسر أهلها باعتبارهم رقيقًا، عليهم فداء أنفسهم بكل ما يملكونه من مال ومتاع. قال لهم إن المسلمين أصبحوا قلة في الأرض التي حكموها 8 قرون بغير انقطاع. هم لا تنقصهم الشجاعة، إذ يثابرون على قتال العدو ليل نهار. لكنهم في فاقة من العدد والعتاد. هم لا يطلبون من إخوانهم في الشرق إلا نصرتهم في تلك الساعة التي ستحسم مصير مئات الآلاف من المسلمين. فإما النصر، أو التنصير. وإما العز، أو تغريبة الأبد. 

ما إن فرغ سفير غرناطة من كلامه الذي ينزف دما، حتى راح يقلب بصره في وجه السلطان والجالسين حوله. ألفى وجوهًا واجمة تطرق إلى الأرض، ولم يجد ما كان ينشده من عيون ألهبها الحماس لتقديم النجدة. ألقى السؤال على السلطان قايتباي ليبدد القلق الذي انتابه: «ما قول مولانا؟!». فرد قايتباي على مهل: «إني لا أعتذر عن نصرتكم ببعد الشقة، وطول المسافة. لكني أعتذر بغياب العساكر التي لم يبق فيها بمصر اليوم غير أقل القليل، بينما يرابط أغلبها في حلب منذ عامين لقتال ابن عثمان ورد عاديته عن أطراف المملكة».

كان الرد صادمًا لابن الأزرق. نزل بعده من قلعة الجبل مكسورًا حائرًا في أمره. كان سفير غرناطة يعلم تمامًا أن القشتاليين ومليكهم لن تردعه إلا القوة. القوة وحدها.

وبينما انتهت سفارة الغرناطيين على ذلك النحو المخيب، كان أكثر ما بقي منها تلك الكلمات التي أطلقها سلطان المماليك عن حربه مع العثمانيين في الشام. فكيف يكون الإسلام في الأندلس في أشد الحاجة ليد العون، بينما يتقاتل ملوك الإسلام داخل بلادهم؟! وكانت اللائمة هنا بالطبع تقع على الدولة العثمانية، بما أنها كانت من بدأ الشر مع المماليك. وبما أنها كانت أقوى الممالك الإسلامية في ذلك العصر. وقد اجتمع لها من الوفرة في المال، والرجال، والسفن، ما لم يتوافر للمماليك الشراكسة في مصر، الذين كانت دولتهم قد شاخت، ونخر الفساد فيها. 

بل إن الأدهى، وما زاد من موقف العثمانيين خزيًا، أن سفارات النجدة التي أرسلتها غرناطة إلى الشرق لم تقتصر فحسب على قاهرة المماليك، بل امتدت إلى إسطنبول عاصمة العثمانلي نفسها، وفي نفس العام (1487). ولم تنجح السفارة الغرناطية الأولى ولا الثانية إلى بلاط السلطان العثماني بايزيد الثاني في إقناعه بتوقيف الحملة على المماليك، وتحويل جهده إلى الحرب في الأندلس. بل مضى في غيه، وأصر على غزو الشام بزهرة جنوده، وأغلب أسطوله. ويا ليته فاز وانتصر بعد كل هذا، بل انكسر في الأخير في معركة أضنة (1488) ليؤجل المماليك أطماع العثمانيين في مصر والشام إلى عصر سليم الأول بن بايزيد.

يخون الأندلس 

أما أهل غرناطة، فلم ينالوا من بايزيد الثاني سوى مجموعة سفن تحت قيادة كمال ريس باشا، لم تكن تكفي لتلك النصرة التي تخيلها أبو عبد الله ملك غرناطة عندما فكر في الاستنجاد بآل عثمان. فقد كانت خطة الملك الغرناطي الأخير الطموحة، ترمي إلى نزول الأسطول العثماني بشواطئ بلنسية شرق الأندلس، حيث ينضم إليه الآلاف من المدجنين (لقب أطلق على مسلمي الأندلس الذين خضعوا للحكم المسيحي في إسبانيا)، وتبدأ من هناك عمليات القتال العثمانية - الأندلسية المشتركة ضد القشتاليين. غير أن كل تلك الأحلام لم تلبث أن بعثرتها رياح الخيبة، عندما سمع أبو عبد الله بدخول السفن المحدودة لـ كمال ريس إلى غرب المتوسط. 

فطوال الفترة من العام 1487 وحتى العام 1491، نفذ القائد البحري العثماني مجموعة غارات محدودة على السواحل المسيحية للأندلس، لم يكن أي منها كفيلا بردع فرناندو الذي أيقن بعد عدم وصول نجدات كبيرة من الشرق بأن الوقت حان للهجوم الأخير على غرناطة، لتسقط في يده أخيرًا ويدخلها في موكب النصر يناير من العام 1492. وينتهي بذلك الفصل الأخير في الحكم الإسلامي بالأندلس، ويبدأ فصل آخر من معاناة المسلمين هناك، بعد أن خيروا بين التنصير أو الرحيل عن الوطن. 

عاين كمال ريس باشا هزيمة الغرناطيين بنفسه، ولم يحرك ساكنًا بما إن سفنه ورجاله كانوا أقل من أن يحدثوا الفارق. وكل ما كان قادرًا عليه هو المشاركة في نقل مجموعات كبيرة من المسلمين الذين قرروا الخروج من الأندلس إلى المغرب والجزائر وتونس. ثم وصلته وهو منهمك في هذا رسالة بايزيد الثاني تأمره بالعودة فورا إلى إسطنبول، بما أن غرناطة قد سقطت، وكأن كمال ريس كان مبعوثًا في الأصل لإنقاذها.

تكرمه إسرائيل

وقد أبى بايزيد مرة أخرى ألا يضيف من عنده جديدًا على موقفه العجيب من الأندلس وأهلها. فإذا كانت الأندلس قد انهارت، فإن أهلها من المسلمين لا يزالون أحياء ينتظرهم مصير مجهول. وبدلا من أن تفتح المدن العثمانية الكبرى، مثل إسطنبول وأدرنة وسالونيك وإزمير أبوابها أمام مسلمي الأندلس ليسكنوها، كان يهود الأندلس (السفارديم) هم من أمر بايزيد الثاني أسطوله بنقلهم إلى مملكته وإسكانهم في تلك المدن بعد أن طردهم ملك قشتالة من إسبانيا. 

ولذلك، ففي العام 1492، وعلى هامش احياء الذكرى الخمسمائة لطرد المسلمين من الأندلس، كانت الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب تحتفل بذكرى هجرة اليهود إلى العالم العثماني بأمر من بايزيد الثاني، والذي أصبح دوره التاريخي محوريا في الإبقاء على الشعب اليهودي بعد أن أوشك على الفناء بيد الكاثوليك. وقد يكون فهم ذلك التكريم الصهيوني أكثر يسرا، إذا ما علم القارئ أن السفارديم مثلوا عنصرا مهما للغاية في التخطيط لمشروع دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين، ثم تأسيسه خلال القرن العشرين. 

النهاية.. جزاءا وفاقا

انتهت حياة بايزيد الثاني بصراع على العرش يماثل الصراع الذي خاضه ضد أخيه جم في مقتبل عمره، ولكن هذه المرة، ضد ابنه الأمير، والذي تسلطن لاحقا باسم سليم الأول.

في السنوات الأخيرة من حكمه، انحصر الصراع على ولاية عهده بين أبنائه الذكور الثلاثة: سليم، أحمد، قرقود. وكان سليم أشرسهم وأكثرهم قربا من قلوب الانكشارية لذلك كان بايزيد يخشاه. ولأن السلطان لم يستقر على أي منهم لاختياره وليا للعهد، فإنه ابتدع سباقا مميتا بين الإخوة الثلاثة يفز خلاله بالعرش من يصل إلى إسطنبول أولا. 

اعتبر سليم ذلك السباق خدعة من أبيه وتفضيلا للأمير أحمد الذي كان يحكم أماسيا القريبة من العاصمة، بينما كان سليم في طرابزون أقصى شمال الأناضول.لذلك فقد أعلن الحرب في العام 1512 ضد أبيه وأخويه الأمراء. وسريعا حسم سليم الأمور لصالحه بعد أن تمكن من قتل الأمير أحمد والأمير قرقود، ثم هجم على إسطنبول وأجبر بايزيد على التنازل عن العرش لصالحه في 24 أبريل 1512. ثم نفاه من العاصمة إلى مدينة اسمها ديماطوقه، حيث مات بايزيد في الطريق إليها، وقيل أن سليم دس له السم ليتخلص منه، لتكون نهاية بايزيد متماثلة تماما مع النهاية التي ارتضاها لأخيه جم قبل سنين عدة.

0 تعليق على موضوع "بايزيد الثاني.. خان الأندلس وكسره المماليك وكرمته إسرائيل"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel