-->
كيدا للعرب ورغبة في تعطيشهم..لماذا عارضت تركيا السد العالي ودعمت سد النهضة؟

كيدا للعرب ورغبة في تعطيشهم..لماذا عارضت تركيا السد العالي ودعمت سد النهضة؟

 

كيدا للعرب ورغبة في تعطيشهم..لماذا عارضت تركيا السد العالي ودعمت سد النهضة؟


في يوليو من عام 1956، قررت الولايات المتحدة الأمريكية سحب تمويل البنك الدولي لمشروع السد العالي في مصر، للضغط على الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، للعدول عن مواقفه المتشددة ضد إسرائيل، وكذلك التراجع عن علاقاته بالاتحاد السوفياتي. 

فور صدور قرار سحب التمويل، أعلن رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، عن ترحيبه الشديد بالقرار الأمريكي وتأييده الحار له. وعندما رد ناصر بالتأميم الشهير لقناة السويس، سارع مندريس وأعلن رفضه القرار، مؤيدًا العدوان العسكري التي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، فيما عرف تاريخيًا باسم حرب السويس. 


وفي فبراير من عام 2014، زار وزير الخارجية التركي السابق أحمد داود أوغلو، العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي تعتبر الوجهة المفضلة للاستثمارات التركية في إفريقيا بنحو 2.5 مليار دولار من أصل 6 مليارات دولار هي إجمالي الاستثمارات التركية في القارة السمراء. وبعد نهاية تلك الزيارة، خرج الطرف الإثيوبي مؤكدًا على تقديم أنقرة خبراتها في بناء السدود إلى إثيوبيا في مشروع سد النهضة الذي تبنيه الأخيرة فوق النيل الأزرق.


بين الواقعتين 58 عامًا كاملة. في الأولى، عارضت تركيا بناء مصر للسد العالي رغم أهدافه التنموية ورغم حقيقة بنائه في دولة مصب للنهر لن تؤذي واحدة من الدول المشاطئة. وفي الثانية، أيدت تركيا سد النهضة الذي سيؤدي إلى حرمان مصر من حصتها التاريخية في مياه النيل، وعلى الرغم من كون إثيوبيا دولة منبع لا يجوز لها قانونًا تأسيس السدود دون التوافق مع الدول المشاطئة والمستفيدة من مياه النهر. 

فإن لم يكن هذا هو الكيد السياسي والتآمر لحرمان مصر من التنمية قديمًا، أو مياه النيل حديثًا، فماذا يكون؟!

60 عامًا والسياسة التركية المعادية للعالم العربي، وفي القلب منه مصر، لم تتغير، رغم تبدل الوجوه وتغير الآيديولوجيات. من التعاون مع الغرب الإمبريالي، إلى التحالف مع إسرائيل. ومن الانقضاض عسكريًا على الأجزاء العربية الضعيفة المتاخمة لتركيا إلى التخطيط لحرمان العرب من مورد الماء أصل معاشهم. 

تبدو الحكاية واسعة جدًا، في حاجة إلى صفحات محبرة كثيرة لاستيفائها. لذا سوف يكتفي التقرير في السطور القادمة بقصة المياه بين تركيا والعرب، سواء التي يقوم فيها الأتراك بالفعل المباشر من خلال مشروع جنوب شرق الأناضول، والمؤلف من 22 سدًا تهدد حصة سوريا والعراق في مياه الرافدين دجلة والفرات، أو بالفعل غير المباشر، من خلال دعم سد النهضة الإثيوبي. 

كانت البداية من عام 1936، في حكومة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. في ذلك الوقت، وضعت خطط واسعة لتوليد الطاقة الكهرومائية من مجموعة من السدود تقام فوق منابع دجلة والفرات جنوب شرق الأناضول. ولكن المشروع تم تجميده بسبب مشكلات فنية وتمويلية حتى منتصف الستينيات. 

خلال الفترة بين ظهور «GAP» كفكرة وبين الشروع في تنفيذه، كانت تركيا على موعد مع قضية السد العالي في مصر. وهي التي تحكمت في مواقف تركيا تجاهها اعتبارات، أهمها، حرص الطرف التركي على رضا حليفه الأمريكي الكبير.

ففي مقتبل الخمسينيات، كان العالم على أعتاب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وقررت تركيا منذ البداية الاصطفاف مع واشنطن ضد موسكو، معتبرة الأمريكان الضامن الوحيد لعدم سقوط أنقرة في قبضة الروس. وتوج ذلك الاصطفاف بانضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، وهو حلف أسسته الولايات المتحدة لمواجهة السوفيات، في 20 سبتمبر من عام 1951. 

بعد ذلك بمدة قصيرة، طلب من رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، الانضمام إلى قيادة الشرق الأوسط (MEC)، وهو تحالف أسسته بريطانيا بهدف بناء نظام دفاعي من الدول الكبرى في المنطقة ضد النفوذ السوفياتي. وبينما انضمت تركيا إليه فورًا، أعلن العرب بقيادة مصر رفضهم الانخراط فيه والوقوف على الحياد بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، الأمر الذي جعل «MEC» تُولد ميتة. 

لكن تركيا لم تتوقف تبعًا لذلك عن الانضمام إلى الأحلاف التي كانت تستهدف القومية العربية. وبلغ الأمر مداه مع تأسيس مندريس، برعاية بريطانية جديدة حلف بغداد في فبراير 1955 من عدة دول «أهمها إيران البهلوية» تشترك في عدائها للراديكاليين العرب الذين أصبحوا يحكمون أكبر العواصم العربية، القاهرة ودمشق.

هكذا، أصبحت تركيا عبر حلف بغداد في مواجهة مصر بصورة رسمية. واتهم الرئيس جمال عبد الناصر أنقرة صراحة بأنها تلعب دور حارس الشرطة في الشرق الأوسط لصالح الإمبريالية الغربية. ومن جانبه، أكمل مندريس طريق التآمر ضد مصر والعرب حتى النهاية، فوقف إلى جانب الولايات المتحدة في كل قراراتها ضد مصر خلال منتصف الخمسينيات، أهمها تمويل السد العالي كما سبق وذكرنا. كما أنه في عام 1958، اتفق مندريس شفاهة مع نظيره الإسرائيلي ديفيد بن جوريون، على التعاون العسكري والاستخباراتي الكامل ضد العرب فيما عرف بـ«الميثاق الشبح». والطريف أن بن جوريون كان يخطط لتطويق القوميين العرب بدول تركيا وإثيوبيا وإيران، ليكون الظهور الأول للإثيوبيين إلى جانب الأتراك في المشهد، كحلفاء ضد مصر والعروبة. 

على أي حال، انتهت تلك الفترة بانقلاب الجيش التركي على عدنان مندريس وشنقه في عام 1960. بينما استؤنف مشروع السد العالي بتمويل سوفياتي، وبدأ العمل فيه عام 1960، حتى اكتمل عام 1968، ثم افتتح رسميًا في عام 1971. 


في المرحلة الجديدة، بزغت المياه كقوة اقتصادية فاعلة في العلاقات التبادلية بين تركيا والعرب. فإذا كانت تركيا فقيرة على مستوى النفط والغاز الطبيعي، فإن العرب فقراء على مستوى المياه، ولا يملكون منابع الأنهار التي يسقون منها. هنا ظهرت في الاستراتيجية التركية للمرة الأولى مسألة استخدام المياه كوسيلة ضغط على الجيران العرب في سوريا والعراق. الأمر الذي ظهرت آثاره بحدة مع بناء أنقرة سدود مشروع شرق الأناضول مع أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. 

ففي عام 1989، بدأت تركيا في بناء سد أتاتورك (افتتح رسميًا في عام 1992) فوق نهر الفرات بسعة تبلغ 48 مليار متر مكعب. وللمرة الأولى في التاريخ، قطعت تركيا مياه النهر عن سوريا والعراق لمدة شهر كامل من 13 يناير 1990 وحتى 12 فبراير 1990. ووقتها قالت تركيا إنها دولة منبع يحق لها التحكم بمياه النهر، ضاربة بعرض الحائط مبدأ التشاطؤ. بل وألقت حتى باللائمة على بغداد ودمشق اللتين عجزتا عن التحكم في مياه الري وإهدارها. وهذا يشبه الموقف الإثيوبي الحالي في قضية سد النهضة، الذي يتفنن في التملص من المسؤولية مع إلقائها على مصر. 


كما كانت الألفية الجديدة شاهدة على سد جديد من «GAP» استهدف بالأذى هذه المرة العراق. هذا هو «سد إليسو»، الذي بدأ العمل فيه في 5 أغسطس 2006، وسوف يؤدي فور افتتاحه (كان مقررًا له العام 2018 ثم تأجل) إلى خفض حصة العراق من نهر دجلة إلى 9.7 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، أي حرمان ثلثي الأراضي العراقية ونحو 10 مدن عراقية بالكامل من المياه العذبة.


هذا عن حرب المياه التي تخوضها تركيا ضد العرب في سوريا والعراق. أما قضية السدود فوق نهر النيل، فإن مشروع سد النهضة الإثيوبي هو الذي أرجع تركيا إلى واجهتها مرة أخرى بعد غياب عقود طويلة. وكان وزير الري المصري السابق محمد عبد المطلب، هو الذي لفت الانتباه في فبراير من عام 2014، إلى اعتماد إثيوبيا على الخبرات التركية في بناء السدود لبناء «سد النهضة».


وبينما كان الرد التركي على هذا الاتهام هو الرفض القاطع ووصف تصريحات عبد المطلب على أنها «محض خيال»، فإن الجانب الإثيوبي أقر في بيانه الرسمي بصدقيتها، وجاء في نصه: «إثيوبيا تتطلع إلى الاستفادة من خبرات تركيا في كافة المجالات، بما فيها مجال الري والسدود. تركيا تعتبر إحدى الدول الشريكة لإثيوبيا في التنمية، وهذه العلاقات لا تستهدف أي طرف ثالث كما تحاول بعض الأطراف تسييس أي علاقة وربطها بمياه النيل وسد النهضة».

هكذا كشفت إثيوبيا ما حاولت تركيا أن تبقيه في الظل، مثلها مثل العديد من الأطراف الدولية والإقليمية التي لا ترغب في أن تتهم بتمويل ودعم المشروع المائي الضخم، الذي يهدد الحياة في مصر خلال المستقبل القريب.

0 تعليق على موضوع "كيدا للعرب ورغبة في تعطيشهم..لماذا عارضت تركيا السد العالي ودعمت سد النهضة؟"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel