-->
كيتشوك كاينارجي.. أو كيف خُلقت بدعة الخلافة العثمانية؟!

كيتشوك كاينارجي.. أو كيف خُلقت بدعة الخلافة العثمانية؟!

 

كيتشوك كاينارجي.. أو كيف خُلقت بدعة الخلافة العثمانية؟!


هذه حكاية معاهدة مذلة وقعها العثمانيون في الربع الأخير من القرن الـ18 الميلادي مع روسيا القيصرية، نتج عنها فقدان دولتهم أملاكها شمال البحر الأسود، إضافة إلى خسارة مكانتها كقوة عظمى. بالإضافة إلى نتائج أخرى بعيدة المدى من أهمها الوضع الشرعي للدولة العثمانية، وحقوق الأقليات. والتقرير التالي يهتم أساسًا بآثار تلك المعاهدة على شرعية الدولة العثمانية وتحولها من السلطة الدنيوية الصرفة كـ سلطنة، إلى الدمج بين السلطتين الدنيوية والروحية كـ خلافة إسلامية.

 

هزائم في البر.. هزائم في البحر

بعد حروب طاحنة مستمرة بين الطرفين العثماني والروسي بين أواخر القرن الـ17 ومنتصف القرن الذي يليه، نجح الصدر الأعظم خوجة راغب باشا أخيرًا في توقيع معاهدة سلام مع روسيا القيصرية فرضت هدوءًا مؤقتًا على الحدود الملتهبة بين الدولتين شمال البحر الأسود وشرق أوروبا.

غير أن الحرب ما لبثت أن اشتعلت من جديد بعد وفاة «خوجة راغب». ففي العام 1769، اجتاحت الجيوش الروسية بولندا، كما أثار عملاء القيصرة كاترين الثانية القلاقل في وجه السلطات العثمانية ببلاد الصرب وبلغاريا والجبل الأسود. فما كان من العثمانيين إلا أن أرسلوا إنذارًا إلى روسيا بإخلاء بولندا، فلما لم تستجب الأخيرة، أعلن الباب العالي في إسطنبول الحرب على روسيا، على الرغم من أن الجيوش العثمانية كانت متخلفة في ذلك الوقت عسكريًا عن سائر القوى الأوروبية الكبرى، خاصة من نواحي التنظيم الحديث للحرب. وهو ما أفرز في النهاية هزيمتها أمام الروس بالمعارك البرية الرئيسية.

إلى جانب ذلك، قام الأسطول الروسي المتواجد في بحر البلطيق برحلة بحرية ملحمية إلى شرق البحر المتوسط لضرب العاصمة العثمانية نفسها. فأبحرت السفن الروسية أولًا إلى المحيط الأطلسي، واجتازوا منه إلى البحر المتوسط. وفي شمال جزيرة «ساقز» ببحر إيجة، تقابل الأسطولان العثماني والروسي لأول مرة وحقق العثمانيون نصرًا أوليًا.

ولكن الأسطول العثماني الذي عاد إلى مرفأ إزمير فوجئ بسفينتين صغيرتين من قطع الأسطول الروسي تتبعانه، وما إن دخلا الميناء حتى ألقيا النيران على السفن العثمانية التي كانت ترسو متراصة بعضها إلى بعض فاشتعلت فيها النيران بسرعة، وانفجرت المعدات الموجودة بالسفن، وسرعان ما احترق الأسطول العثماني برمته في 5 يوليو 1770.

وبالعودة إلى الجبهة البرية، فقد واصل الروس انتصاراتهم مستولين على بلاد القرم، وأعلنوا انفصالها عن الدولة العثمانية واستقلالها تحت حماية روسيا، وأقاموا حاكمًا عليها باسم كاترين الثانية. ما اضطر الدولة العثمانية إلى عقد هدنة مع روسيا في 10 يونيو 1772 غير أن روسيا تعسفت في مطالبها لإمضاء الهدنة؛ إذ اشترطت اعتراف الدولة العثمانية باستقلال تتار القرم، وطالبت بحرية الملاحة لسفن روسيا التجارية في البحر الأسود وجميع بحار الدولة العثمانية، ولما لم تقبل الدولة هذه الشروط انفض المؤتمر الذي عُقد بين الدولتين لهذا الغرض.

أثناء تلك الأحداث الساخنة، أعلنت وفاة السلطان مصطفى الثالث في 21 يناير 1774 وخلافة أخوه عبد الحميد الأول. ولم يكن هذا الأخير سلطانًا قويًا، بل قليل الحيلة، ضعيف الخبرة بالسياسة وأمور الحرب، فتكررت الهزائم على رأس القوات العثمانية مع تجدد الحرب، وأصبح طلب إسطنبول للصلح مع الطرف الروسي أمرًا بالغ الضرورة. ولما قبلت كاترين الثانية بالصلح، اختار رجال دولتها مدينة كاينارجي في بلغاريا كي تكون مكان التوقيع عليه.

 

التوقيع

وفي 21 يوليو 1774 وقعت المعاهدة التي صارت تعرف باسم كيتشوك كاينارجي. ووقع عليها عن الطرف الروسي القائد العسكري پيوتر روميانتسيڤ، بينما وقعها عن الجانب العثماني الصدر الأعظم موصل زاده محمد پاشا.

تضمنت المعاهدة 28 مادة معلنة ومادتين سريتين، إضافة إلى تعهد الدولة العثمانية بدفع غرامة باهظة بلغت 4.5 مليون روبل. وفي بنود المعاهدة، تنازل العثمانيون عن حصون الدولة القوية على البحر الأسود لصالح روسيا، كما وافق السلطان على التنازل عن شبه جزيرة القرم بالكامل للروس، لتكون المرة الأولى التي يتخلى فيها العثمانيون عن إقليم أغلبيته من المسلمين لصالح دولة مسيحية عدوة. كذلك أعطت المادة السابعة من كيتشوك كاينارجي الروس الحق في فرض الحماية على المسيحيين الأرثوذكس في الشرق «اليونان والأرمن».

 

خلافة مخترعة

لكن المادة الثالثة تحديدًا من المعاهدة كانت هي الأبرز على الإطلاق، وهي المتصلة بالتقرير الحالي. فقد كفلت في نصها استمرار تبعية مسلمي القرم روحيًا للسلطان العثماني، باعتباره «خليفة المسلمين». وكانت تلك المرة الأولى التي يدعي العثمانيون لأنفسهم سلطة الخلافة الإسلامية، بعد أن ألغى السلطان العثماني سليمان القانوني تلك الأخيرة رسميًا حوالي منتصف القرن الـ16 الميلادي على إثر وفاة آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة المتوكل على الله الثالث. ويبدو أن هذه السلطة الروحية المستحدثة التي أضفاها السلطان على نفسه للحفاظ على صورته أمام الرأي العام الإسلامي، كانت تحتاج إلى مبرر أمام عموم المسلمين. ومن هنا، ربما ولدت أسطورة تنازل المتوكل العباسي للسلطان سليم الأول عن ألقاب الخلافة عقب استيلاء الأخير على القاهرة في العام 1517. ذلك أن حكاية التنازل لا ترد في أي مصدر معاصر للغزو العثماني لمصر، أو في المصادر اللاحقة والمكتوبة على مدار القرن الـ16. بينما ظهرت للمرة الأولى في كتاب ألفه مرادج دوسون، المترجم الأرمني في القنصلية الفرنسية بإسطنبول تحت عنوان «الصورة العامة للإمبراطورية العثمانية».

رغم ذلك، لم تلق «خلافة» العثمانيين أو قصة التنازل قبولًا في دوائر فقهاء المسلمين. وها هو الفقيه الكبير «السيد المرتضى الزبيدي»، والذي عاش في عصر كوتشوك قينارجه نفسه، يؤكد بحسرة انهيار الخلافة الإسلامية وتحولها إلى جزء من الماضي، واصفًا السلطنة العثمانية وسائر الممالك الإسلامية في القرن الـ18 بالدول التي تحكم بقوة الغلبة العسكرية، لا قوة الشرع.

ولكن رغم ذلك الرفض، سوف يعود السلاطين من آل عثمان في نهاية القرن الـ19 الميلادي، تحديدًا في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، إلى مسألة الشرعية الدينية لدولتهم باعتبارها «خلافة إسلامي» واجبة الطاعة، وذلك نتيجة ظروف معقدة، تراوحت بين تحالف العثمانيين مع ألمانيا القيصرية، وسعي عبد الحميد لطرد الإنجليز من والفرنسيين من الأقاليم العربية للسلطنة. في هذه الفترة، والتي غطت الربع الأخير من القرن الـ19، وانتهت بنهاية الحرب العالمية الأولى العام 1918، سيتم الضغط على صفة السلاطين العثمانيين كـ«خلفاء» لكسب تعاطف الرأي العام المسلم معهم. ولكن الشرق الإسلامي الذي كان قد تغير وقتها على مستوى البنية الفكرية والسياسية نبذ تلك «الخلافة العثمانية» بشكل مبدئي ورفض الخضوع لها، ما أفرز في الأخير هزيمة الدولة العثمانية أمام خصومها في الحرب العظمى، ثم إعلان القوميين الأتراك إلغائها وإقامة الجمهورية التركية على أنقاضها.

0 تعليق على موضوع "كيتشوك كاينارجي.. أو كيف خُلقت بدعة الخلافة العثمانية؟!"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel