-->
«تغدّ به قبل أن يتعشّى بك».. عن الوشاية وصراعات السلطة في العراق العثماني

«تغدّ به قبل أن يتعشّى بك».. عن الوشاية وصراعات السلطة في العراق العثماني

 

«تغدّ به قبل أن يتعشّى بك».. عن الوشاية وصراعات السلطة في العراق العثماني


في العام 1831، أعاد العثمانيون فرض سيطرتهم على بغداد، بعد نحو نصف قرن من ابتعاد المدينة عن المركزية العثمانية بفضل مجموعة من الأمراء المماليك الذين سيطروا على وسط وجنوب العراق، وأبقوا فحسب على التبعية الاسمية لإسطنبول.

اتسمت عودة بغداد إلى الدولة العثمانية بالدموية، إذ قام علي رضا باشا اللاز، القائد الذي تولى القضاء على الحكومة المملوكية بأمر من السلطان محمود الثاني، بمذبحة في حق البكوات المماليك، عقب نجاحه في دخول المدينة، كي يضمن عدم ثورتهم ضده مستقبلا. كما قام اللاز أيضا بمجموعة واسعة من المصادرات لأملاك البغداديين، استخدمت فيها وسائل شائنة، وفرت له الأموال اللازمة لإرضاء السلطان العثماني.

كان علي رضا أول ولاة بغداد بعد اندحار المماليك. ورغم أن العصر الذي ظهر فيه كان عصر إصلاح، أعلنت الدولة العثمانية خلاله عن التنظيمات الخيرية، التي استهدفت علمنة الدولة تشريعيا، وتحديثها عسكريا، فإن شيئا من تلك الإصلاحات كلها لم يرد إلى العراق، بل ظل يدار بنفس المنطق العثماني القديم في حكم الأقاليم. إهمال المصالح العامة مقابل جباية القدر الأكبر من الأموال للخزانة في إسطنبول.

يقول المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين) عن الفترة التالية لسقوط المماليك في بغداد: «لا يختلف هذا العهد عن الأزمان السابقة. ولم تؤثر التنظيمات الخيرية فيه إلا قليلا فكان بعيدا عن الإصلاح. وهذا الوزير (علي رضا اللاز) أحد ولاة الدولة. لا يفترق عنهم بما يمتاز به».

يتابع العزاوي عن اللاز قائلا: «دخل بغداد ليلة الخميس ٨ ربيع الأول سنة ١٢٤٧ ه - ١٨٣١ و بذلك انقاد العراق لدولته رأسا، فأزال عنه المتغلبة، فكان أول وزير بعد المماليك، إلا أن الأهلين لم يلبثوا أن تذمروا منه، وقالوا إن المماليك عادوا من طريق آخر للتدخل في الإدارة، إذ يعرفون التركية وهم أبصر بالمداخل فاستعانت الدولة بهم».

صار العراق محكوم بتلك السلطة الثنائية، المتألفة من الوالي العثماني وفلول المماليك. ووفرت تلك التسوية قدر كبير من الهدوء لـ اللاز الذي يقول عباس العزاوي إنه «سكر بخمرة الانتصار، فتحكم به أتباعه و موظفوه، و تجاوزوا الحد في الظلم و الاعتداء».

ومع تزايد المظالم، تكاثرت الشكايات إلى قصر علي رضا باشا، فقرر أن يعين كخيا (نائب) له من رجال الإدارة السابقة، ووقع اختياره على شخص يدعى ابن النائب. ينتسب إلى أسرة عراقية كبيرة، موزعة بين بغداد وكركوك شمال العراق، واشتهر، إلى جانب مهاراته الإدارية التي جعلته دفترداراً (وزير مالية) في عهد آخر حكومة مملوكية، بكونه شاعرا يجيد النظم باللغتين العربية والتركية.

يقول عباس العزاوي عن ابن النائب: «كان قد صار دفتريا، و كان منصب كتخدا (هو والكخيا يعنيان النائب) من المناصب الجليلة في تشكيلات الدولة، فـ الكتخدا مرجع العام و الخاص، وبيده تصريف أمور الوالي. وكان الكتخدا الحاج يوسف آغا من رجال الوالي علي رضا اللاز‏ وأهل دائرته إلا أن هذا لا يعلم عن أحوال بغداد شيئا، فلا يصلح للقيام بالمهمة، فاختار اللاز ابن النائب كتخدا -في شعبان- لأنه كان مستكملا الصفات المطلوبة، عارفا بالداخل والخارج».

كان ابن النائب عند حسن ظن الباشا العثماني، فـ «بذل ما استطاع في إرضاء اللاز. و حصر به الأعمال كافة». لكن راحة بال الوالي، قابلتها قلق لراحة رجاله، من الذين رأوا في ابن النائب شخصا خطيرا يمكن أن يطيح بهم جميعا من السلطة في بغداد. يقول العزاوي: «أقلق ابن النائب راحة رجال الوزير كما تعقب المجرمين وأهل الشقاء فاضطرب الكل لما استولى عليهم من الخوف، وحسبوا أن قد عاد زمن المماليك مرة أخرى».

وكالعادة في مثل تلك الأمور، كانت الوشاية هي الوسيلة الأنجع للتخلص من خطر ابن النائب. فأخذوا يؤلبون علي رضا اللاز عليه، «ولكن خدماته كانت مقبولة في نظر الوزير، فلم يتمكنوا من تغييره عليه بسهولة، وإذا عزل أيضا فلا يبعد أن يستعيد مكانته بعد قليل.. فلا يوجد من يعدله في مقدرته. وصاروا يخشون بطشه، فاتفقوا أن يغروا الوزير بقتله، فتم لهم الأمر، واضطر أن يقتله».

يروي لنا العزاوي تفاصيل الغدر بابن النائب على النحو التالي: «منذ صار ابن النائب كتخدا، قرب إليه رجال المماليك فأحال إليهم المهمات، وجلب لجهته أعيان العراق وشيوخهم وأمراءهم، وفي أيامه استعاد جيش بغداد (من الانكشارية، وكانوا قد سرحوا بأمر من اللاز بعد سقوط المدينة بين يديه)، فأخذهم و صار شأنه كسائر الكخيات (جمع كخيا) السابقين، يسير بخدمته نحو ثلاثمائة أو أربعمائة من رجاله. فاتخذوا ذلك وسيلة لتنفيذ ما أضمروه من الوقيعة به.. فأفهموا الوزير بأن هذا قد أمّن الخارج، ولم يبق له إلا الداخل، وأن يستولي عليك وعلى من معك. نواياه ظاهرة من أعماله هذه.. وقالوا له (تغدّ به قبل أن يتعشّى بك). فتردد الوالي في بادئ الأمر، ولكنه لما لم يزاول أمور السياسة بتدبير وحذق ظن أنه سوف يستقل بأعماله هذه، وهكذا حذره القاضي تقي أفندي الحلبي، وكان جريئا، حديد اللسان، ورأى من أهل دائرته‏ اتفاقا في بيان خطر الوضع إذا بقي بعيدا عنهم، وكل واحد منهم قدم بعض المقدمات، فخوفوا الوالي، وتمكنوا من إمالته».

هكذا، قرر علي رضا باشا الخلاص من ابن النائب، «وفي 27 رمضان‏ ليلة الجمعة بعد التراويح نفذوا ما عزموا عليه، فباشر قتله السلحدار بأن ضربه بـ طبنجة، ويقال لها (فرد)، فقتله على حين غرة، وبقيت جنازته مطروحة على الأرض في الميدان مدة 24 ساعة مكشوفة العورة، ثم غسل وكفن ودفن في المدرسة العلية. وله جامع باسمه في كركوك يسمى (جامع ابن النائب) لا يزال عامرا إلى هذه الأيام».

0 تعليق على موضوع "«تغدّ به قبل أن يتعشّى بك».. عن الوشاية وصراعات السلطة في العراق العثماني"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel