-->
لماذا رفض العثمانيون مساعدة مسلمي الأندلس؟!

لماذا رفض العثمانيون مساعدة مسلمي الأندلس؟!

 

لماذا رفض العثمانيون مساعدة مسلمي الأندلس؟!



في ليلة عيد الميلاد من سنة 1568، اجتمع نفر من الموريسكيين (الاسم الذي أطلق على الجماعة الأخيرة من مسلمي الأندلس) في وادي الإقليم جنوب شرق إسبانيا، وتبرأوا جميعًا من المسيحية التي أجبروا على اعتناقها، ثم بايعوا شخصا منهم يدعى ابن أمية لقيادتهم في الثورة التي أزمعوا إشعالها في جبل البشرات الوعر ضد ملك إسبانيا شارلكان.

وعلى مدار عام كامل، استمر عصيان 4 آلاف من الموريسكيين في البشرات حتى نجح الإسبان أخيرًا في اغتيال ابن أمية العام 1569، واختير محمد بن عبو خليفة له في قيادة الثورة.

في أيام زعامة ابن عبو، زاد عدد الثوار الموريسكيين إلى نحو 25 ألف دفعة واحدة، بسبب الأعداد الكبيرة التي انضمت للثورة من مدن شرق الأندلس المختلفة، كذلك من جهة المغرب الأقصى والجزائر.

في هذه اللحظة، رأى ابن عبو أن الثوار أصبحوا على درجة من القوة تمكنهم من تحقيق النصر على الإسبان، ولكن شريطة الحصول على الدعم البحري، والذي لم تكن أي قوة إسلامية في ذلك الوقت قادرة على توجيهه سوى الدولة العثمانية.

بدأ ابن عبو سلسلة اتصالات سرية مع الصدر الأعظم في إسطنبول صوكولو محمد باشا، فأبدى الأخير استعداده الكامل لدعمهم بالمال والسلاح والرجال. ثم بدأ في تطبيق ذلك الدعم فعليا في أوائل العام 1570، عندما أرسل في أبريل من تلك السنة مرسومًا إلى والي الجزائر لتقديم كل سبل الدعم والعون للثوار الموريسكيين في إسبانيا. وكلل ذلك المرسوم بنزول ستمائة مسكتي عثماني (يقابلون اليوم قوات الكوماندوز في الجيوش الحديثة) على الأقل في سواحل الأندلس.

لكن بدلًا من أن تكون تلك الخطوات تمهيدًا لنجدة عثمانية أكبر وأكثر فتكًا، فإن خطط صوكولو سرعان ما انتهت في الاجتماع الذي أبلغه فيه السلطان العثماني سليم الثاني بنيته غزو قبرص بدلًا من المضي قدمًا في معاونة الموريسكيين في ثورتهم بالبشرات. وقد اختلفت التحليلات حول السبب الذي دفع سليمًا لاتخاذ مثل ذلك القرار الغريب.

فقد كتب المؤرخون مثلًا عن رغبة سليم الثاني في وضع يده على قبرص بسبب ما اشتهرت به من أنبذة فاخرة. ورغم ما يبدو عليه ذلك الكلام من سخف، فإن اللقب الذي التصق بسليم الثاني، وهو سليم السكير، نتيجة لشدة ولعه بالخمور ينقل الكلام عن طمعه في النبيذ القبرصي من خانة السخافة والابتذال إلى خانة التفكر.

كما قيل أيضًا، وهذه أسوأ من سابقتها، أن اليهودي جوزيف ناسي هو من أقنع سليم بغزو قبرص. وأنه طلب من السلطان العثماني أن يملكه إياها إن نجحت جيوشه في السيطرة عليها. وكانت لدى جوزيف ناسي تطلعات صهيونية خلال ذلك الزمن المبكر إلى إقامة مملكة إسرائيل فوق الأراضي القبرصية مع تتويجه ملكًا عليها.

وبعد أن فشل في ذلك، نقل ناسي أحلامه إلى فلسطين، استصدر فرمانًا من صديقه سليم الثاني يخول له إقامة مستعمرة يهودية في طبرية، وتوج هو - أي جوزيف ناسي - رئيسًا لها، أو كما في الوثائق التاريخية تحت اسم «ملك طبرية».

أخيرًا، فإن آخر ما قيل في غزو سليم لقبرص هو رغبته في السيطرة عليها لموضعها الرئيس في حركة التجارة بشرق البحر المتوسط. وهذه تبدو أكثر أسباب الغزو العثماني لقبرص جدية لأنها متصلة بالطموحات الاستراتيجية لدولة إمبريالية مثل السلطنة العثمانية. لكنها أيضًا لا تعفي سليم من مسؤولية التخلي عن الموريسكيين في الأندلس لأنهم كانوا أولى بدعمه في ذلك الوقت الحرج.

مع تأكد غياب الدعم العثماني المباشر للموريسكيين في البشرات، تركزت المساعدات التركية لثوار الأندلس فيما قام به أمير أمراء الجزائر قلج علي باشا، والذي كان على العكس من سلطانه سليم الثاني، متحمسا بشدة لمعاونة الموريسكيين.

يقول المؤرخ التركي عزيز سامح التر في كتابه (الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية): «لم يتلق مسلمو الأندلس أي مساعدة من الحكومة العثمانية على الرغم من معرفتها بالظلم الذي يعانونه، وكانت الجزائر من أكثر المناطق تحمسا لمساعدتهم، كما أن قلج علي باشا عمل بكل ما يستطيع لمساعدتهم، فقد خصص لهم سفن تنقل لهم حاجتهم من السلاح ومدهم ببعض القادة، وطلب من إسطنبول باسترحام شديد مساعدة المسلمين الأندلسيين وأيد الرسائل التي أرسلها مسلمو الأندلس إلى السلطان العثماني، فعلى الرغم من السلاح الذي اشتروه بقي لديهم أكثر من مائة ألف شخص بدون سلاح، وتسليح هؤلاء يتطلب تكاليف مالية عالية وهم لا يملكون شيئا من ذلك».

لكن الدولة العثمانية اكتفت بإرسال «أمرين إلى قلج علي باشا في العام 1569 تطلب منه تقديم السلاح وإرسال الجنود لهم بقدر المستطاع، وذلك لأن الديوان الهمايوني (مجلس الوزراء العثماني) كان قد قرر مهاجمة جزيرة قبرص في ربيع ذلك العام. وقد تعهد الديوان الهمايوني بالعمل على مساعدة الأندلسيين بعد الانتهاء من احتلال قبرص».

أيقن قلج علي باشا أنه أصبح مجبرًا على التصرف وفقًا لقدراته المحدودة في الجزائر. يقول التر: «طلب قلج علي باشا من الأندلسيين توحيد جهودهم والعمل يدا واحدة ضد الإسبان، وبغية تشتيت جهود الإسبان وإرباك قواتهم، قرر مهاجمة وهران (كانت وهران لا تزال محتلة من قبل إسبانيا). ومن بعدها سوف يتحرك إلى السواحل الإسبانية، وبالفعل أرسل جيشا يتألف من 14 ألف جندي مسلح بالبنادق و 60 ألف جندي محلي مع أعداد كبيرة من المدفعية وزودها بألف وأربعمائة جمل محمل بالبارود. وقد اتجه الجيش مباشرة إلى مزغان ومستغانم، كما أمر أربعين سفينة بالرسو أمام السواحل الإسبانية بالقرب من المرية وكلفها بحماية الثوار ومساعدتهم. ولكن أحد رؤساء الثوار وقع بخطأ أدى إلى كشف أماكن الأسلحة قبل إعلان الثورة بيوم واحد، وتمكن الإسبان من كشف مخازن الأسلحة الواحد تلو الآخر، كما ألقوا القبض على بعض الثوار، ولم يكن المسلمون لا غالبين ولا مغلوبين، كذلك فإن الأسطول الجزائري لم ينزل قواته إلى البر، ولهذا لم يتمكن من تقديم المساعدة لهم».

وفي يناير 1569 «توجه الأسطول الجزائري ثانية إلى سواحل إسبانيا، وقد تفاخر جنوده على مسلمي الأندلس إثر ما حل بهم، وإن الجنود الذين تفاخروا على مسلمي الأندلس، هم أنفسهم الذين أداروا ظهورهم لهم، إضافة إلى ذلك فإن هذه المساعدة الجديدة المؤلفة من ثلاثين سفينة تعرضت لعاصفة هوجاء شتتها، وحرم الأندلسيون من تلك المساعدة القيمة، ولم يستفيدوا إلا من ست سفن، وتمكن المتطوعون من إخراج المدافع والسلاح والبارود من السفن».

أتبع أمير أمراء الجزائر تلك المساعدات المتعثرة، بإرسال شحنة جديدة من البنادق إلى الأندلس مع كتيبة من الانكشارية في سبتمبر 1569. وبينما كانت في نية قلج علي باشا قيادة ثورة البشرات بنفسه هذه المرة، فإن الأحداث في الديوان الهمايوني بإسطنبول أجبرته مرة أخرى على تأجيل طموحاته، وهذه المرة إلى الأبد.

فقد حاول قلج علي أولا طرد الإسبان من معاقلهم في تونس وجزيرة جالطة شمال السواحل التونسية. ورغم أن النجاح الذي حققه هنا كان باهرا، بسبب الدعم الذي قدمه المسلمون التوانسة له ضد الحاميات الإسبانية، فإن رسالة قادمة من إسطنبول أجبرته على الانتقال بأسطول الجزائر إلى ناحية مالطة، حيث التقى هناك بالأسطول العثماني الرئيسي، استعدادا لمواجهة أسطول صليبي كونته أوروبا ردا على الغزو العثماني لقبرص. وفي أكتوبر من العام 1571، حطم الحلف الصليبي الأسطول العثماني في معركة ليبانتو، وكانت نتائج المعركة بعيدة المدى لدرجة أنها أنهت المغامرات العثمانية الكبرى في غرب البحر المتوسط، مجبرة الأسطول العثماني على حصر نشاطاته في شرقه.

أما عن ثوار الأندلس، فقد دفعوا ثمن عدم وصول النجدات العثمانية إليهم غاليًا، بعد أن نجح الإسبان في 13 مارس 1571 في تدبير مكيدة تمكنوا على أساسها من قتل محمد بن عبو قائد ثورة البشرات. وهو ما أضعف الثوار الذين ما لبثوا أن استسلموا أخيرًا، وبدأ التنكيل بهم من قبل إسبانيا، حتى طردوا أخيرًا من البلاد بين عامي 1609 و 1614.


المصدر تركيا الان

0 تعليق على موضوع "لماذا رفض العثمانيون مساعدة مسلمي الأندلس؟!"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel