-->
حرب «أبناء بايزيد».. النسخة العثمانية من «لعبة العروش»

حرب «أبناء بايزيد».. النسخة العثمانية من «لعبة العروش»

 

حرب «أبناء بايزيد».. النسخة العثمانية من «لعبة العروش»


هذه حكاية 11 عاما من الصراع الدامي على عرش العثمانيين، خاضها أبناء السلطان بايزيد الأول ضد بعضهم البعض، حتى هلكوا عن آخرهم، عدا واحدا شاءت الأقدار أن يكمل مسيرة دولة آبائه من آل عثمان..

كانت حرب أبناء بايزيد ناتجة عن هزيمة أبيهم المروعة في معركة أنقرة (1402) أمام تيمورلنك القائد التركماني - المغولي الرهيب، والتي نتج عنها الانهيار المؤقت للدولة العثمانية، بعد أن فرغ عرشها من بايزيد الذي وقع أسيرا في قبضة تيمور، وصارت الرؤية ضبابية حول من سيخلفه من أبنائه الذكور.

كان واحدا من هؤلاء الأبناء، ويدعى موسى جلبي، مسجونا مع والده في حبس المغول. بينما تمكن كلا من الأميرين محمد جلبي وعيسى جلبي من الهرب. وقد واصل تيمورلنك سريعا تقدمه داخل الأناضول بعد واقعة أنقرة، لإعادة تشكيل المنطقة بعد سقوط العثمانيين. فأعاد لأمراء التركمان البلاد التي فقدوها على يد بايزيد الأول، كما مال إلى الأميرين الهاربين محمد وموسى، فأمنهما ثم أعطى لهما المناطق الباقية من الأناضول. وقد كان لبايزيد ابن ثالث هو سليمان، هرب هو الآخر إلى أدرنة وتحصَّن بها، فأرسل إلى تيمور لما علم بقدومه يرجوه العفو عن والده الأسير.

وفي مارس من العام 1403 مات بايزيد الأول في أسر تيمور. والروايات الأكثر ذيوعا أن السلطان العثماني أقدم على الانتحار بعد أن فضل الموت على الحياة في ذل التبعية للمغول، أو بسبب الإهانات القاسية التي قام بها تيمور في حقه.

على أي حال، فبمجرد وفاة بايزيد، أطلق تيمورلنك سراح ابنه الأسير لديه الأمير موسى جلبي، وصرَّح لهُ بِنقل جُثمان والده إلى العاصمة العثمانية القديمة بورصة لدفنه بها. وكان ظهور موسى في بورصة إيذانا باشتعال الحرب الطويلة بين أبناء بايزيد على العرش العثماني الخالي.

فقد ادعى كل واحد من الأمراء الأربعة: محمد، موسى، عيسى، وسليمان، أحقيته في خلافة الوالد الراحل.وكان الأمير سُليمان الأوفر حظًا بينهم، بسبب انسحابه مع فُلُول الجيش العُثماني إلى بورصة بعد معركة أنقرة، لِإنقاذ الأموال والنساء والأولاد من القُوَّات المغوليَّة التي كانت تتعقبه. ثُمَّ انطلق من هناك حيثُ بايعهُ الجُنُود سُلطانًا، فعقد صُلحًا مع الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني، وجُمهُوريَّة جنوة، وفُرسان الإسبتاريَّة في رودس، كما جدَّد الحلف مع قيصر الصرب اسطفان بن لازار، وتنازل بِموجب هذا الصُلح عن بعض الأراضي ومنح الأطراف المسيحيَّة بعض الامتيازات على حساب العثمانيين. كما أن تيمورلنك لما علم بتنصيب سليمان في أدرنة، أرسل إليه يطالبه بِدفع ما عليه من أموالٍ بِصفته تابعًا له، وفعلًا حضر سُليمان إلى المُعسكر التيموري مُحملًا بِالهدايا، وقدَّم لِتيمور فُروض الولاء والطاعة.

أما الأمراء الثلاثة الباقين، فقد تفرقوا في الأناضول، فاعتصم محمد وموسى في إحدى القلاع الجبليَّة الشاهقة في أماسيا، بينما احتمى عيسى في قلعة أخرى، ثم جمع مجموعة من الجند وأعلن نفسه سلطان عثمانيا في بورصة، معلنا رفضه بذلك الاعتراف بشرعية أخيه سليمان.
ولكن عيسى لم يهنأ طويلا بالعرش، فقد هاجمه أخوه محمد جلبي وتغلَّب عليه وأخرجه من مدينة بورصة، فالتجأ عيسى إلى أمراء التركمان الذين شعروا بأن الأمير جلبي هو أقوى أبناء بايزيد، ما يهدد مكانتهم إن هو استطاع توحيد الدولة العثمانية من جديد. وتكون حلف واسع من أولئك الأمراء لمساندة الأعمير عيسى جلبي، ولكن محمد بن بايزيد تغلب على جميعهم، وأجبرهم على الاعتراف به ما جعله ينفرد بحكم الأناضول وحيدا.

أما سليمان، فقد آثر عدم التدخل في الصراع بين أخويه كي يتخلص منهما جميعا. ولكنه عندما علم بانتصار محمد الحاسم، توجه إلى الأناضول واستولى على بورصة وأنقرة، بِالإضافة إلى إزمير، وحصل سليمان من جديد على اعتراف قيصر الصرب ومجموعة بارزة من الأمراء التركمان.

وبينما كانت الكفة تميل بذلك نحو سليمان، أعلن الأمير القرماني ناصر الدين محمد بك تبعيته للأمير محمد، وهاجم قوات سليمان، ما حمس محمد على استقطاب أخيه موسى وهاجم أخاه سُليمان في فبراير 1410 وانتصر عليه. وقد لجأ سليمان إلى الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني، وتزوج من أميرةٍ بيزنطية، كما سلَّم ابنه وأخته رهائن إلى الإمبراطور كي يتأكد الأخير من إخلاصه. ولكن كل ذلك لم يفد سليمان شيئا، فقد تخلى عنه جنوده في المعركة التي دارت بينه وبين الأمير موسى جلبي، ووقع في الأسر يوم 17 فبراير 1413م، ثم قتل خارج أسوار أدرنة.

بعد هزيمة سليمان ومقتله، أضحى موسى الحاكم المطلق لـ الروملي، أي الجزء الأوروبي من الدولة العثمانية، فاستدار إلى أخيه الأمير محمد حليف الأمس وحاربه على العرش. وقد بدأ موسى بمحاصرة القسطنطينية كي يجعل مجد فتحها لنفسه، فاستنجد الإمبراطور البيزنطي بالأمير محمد، فأتاه مُسرعًا وأجبر أخاه على رفع الحصار، ثم تعقب أثره حتى جنوب شرق صوفيا وهزمه في معركة وقتله، وأرسل جثمانه وجُثمان أخيه سُليمان إلى بورصة ليدفنا بجانب أجدادهم من آل عثمان.

هكذا، تخلص محمد من جميع إخوته، ووصلت أخبار ذلك إلى الإمبراطور شاه رخ بن تيمورلنك، الذي خلف والده في الحكم، فأرسل خطابا إلى محمد يهاجمه لِقتله إخوته، فرد محمد برسالة يعتذر فيها ويوضح ما جرى، وحصل بهذه الرسالة على مصادقة شاه رخ على سلطنته، لينتهى بذلك عهد الفوضى الذي يعرف في التاريخ العثماني باسم (دور الفترة)، وأصبح محمد سلطانا مطلقا على الدولة العثمانية دون منازع تحت اسم محمد الأول.

0 تعليق على موضوع "حرب «أبناء بايزيد».. النسخة العثمانية من «لعبة العروش»"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel