-->
ذبحوا الأبناء الرضع لزعيم القبيلة: عن حرب العثمانيين وأولاد امحمد في ليبيا

ذبحوا الأبناء الرضع لزعيم القبيلة: عن حرب العثمانيين وأولاد امحمد في ليبيا

 

ذبحوا الأبناء الرضع لزعيم القبيلة: عن حرب العثمانيين وأولاد امحمد في ليبيا


قبيلة أولاد امحمد، التي تعيش إلى اليوم في مساكنها التاريخية بمنطقة فزان جنوب غرب ليبيا، تعد واحدة من القبائل الليبية التي طالبت النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان، خلال السنوات القليلة الفائتة، بتقديم اعتذار رسمي عن الجرائم التي ارتكبها العثمانيون ضد أسلافهم، والتي بلغت مداها في العام 1813، حين قام يوسف باشا القرمانلي، والي طرابلس من قبل السلطنة التركية، بمذبحة كبيرة في حق أبناء القبيلة.

 

يقدم التقرير التالي عرضًا مختصرًا للعلاقة التي جمعت الدولة العثمانية بأولاد امحمد في فزان، وهي علاقة طويلة وممتدة استمرت بين القرنين الـ16 والـ19 الميلاديين..

غزا العثمانيون الساحل الليبي في عام 1551، وضموا إلى أملاكهم أكبر مدنه وأهمها، طرابلس الغرب. ورغم ذلك، بقيت المناطق الداخلية الليبية بعيدة عن أيادي العثمانيين، خاصة في منطقة فزان التي تمنح مالكها القدرة على النفاذ إلى المناطق الغنية في وسط أفريقيا، والسيطرة على حركة القوافل التجارية المتجهة شمالًا وجنوبًا.

في عام 1550، أي قبل الغزو العثماني بعام واحد، نجحت أولاد امحمد، وهي قبيلة تنتسب إلى الأدارسة الأشراف، في السيطرة على فزان وإقامة ما يشبه الإمارة. ووفقًا للمصادر الليبية، ظل أولاد امحمد بعيدين عن السيطرة العثمانية، بل وفرض عليهم القتال ضد الأتراك لقرنين من الزمان للإبقاء على تلك الوضعية. ولكن المؤرخ التركي عزيز سامح التر يذهب إلى خلاف ذلك، فيقول في كتابه (الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية): «كانت فزان قد دخلت في يد العثمانيين وقت الاستيلاء على طرابلس (1551)، وثابت بسجلات الديوان الهمايوني أنها كانت في عام 1627 تحت إدارة حاكم لواء يدعى محمد بك، إلا أنها فيما بعد أعطيت لأسرة من السودان تديرها لقاء هدايا وضرائب قليلة كانت تقدمها وكان أهل فزان يسمون الشخص الذي يحكمهم من أفراد هذه الأسرة بالسلطان».

أيًا ما كانت الحقيقة، فالروايات المتاحة تؤكد خضوع فزان للسلاطين من أولاد امحمد، وغياب السيطرة العثمانية - أو على الأقل وهنها الشديد - عن تلك البقعة الليبية. وبسبب ذلك، ظلت العلاقة مضطربة باستمرار بين الطرفين، العثمانيون وأولاد امحمد. وهو ما انعكس في تكرار المعارك بينهم لحسم ملكية فزان.

ففي عام 1577 مثلًا، استغل العثمانيون وفاة السلطان المنتصر بن الناصر بن امحمد الفاسي، وهجموا على قصر الحكم في فزان، وتمكنوا من القبض على الأميرة خود أرملة السلطان الراحل، وعذبوها عذابًا شديدًا كي ترشدهم إلى ثروة زوجها، فلما رفضت أحرقوها حية بالنار.

وفي حدود العام 1600، أرسل والي طرابلس سليمان داي جيشًا لاحتلال فزان. وبفضل المدفعية المتفوقة، نجح في إلحاق الهزيمة بالسلطان المنصور من أولاد امحمد بعد معركة دموية. وقد مات السلطان المنصور نفسه على إثر تلك المعركة، بسبب الجراح التي أصيب بها خلال القتال. ولم ينجح العثمانيون في الوصول إلى ثروته، بعد أن فر بها الطاهر، أخو السلطان المنصور جنوبًا إلى أرض السودان.

وفي عام 1627، حاول العثمانيون مرة أخرى طرد أولاد امحمد من فزان. ولكنهم أجبروا بعد سلسلة من المعارك غير الحاسمة، على الاعتراف بسلطة القبيلة الليبية على المنطقة، مقابل إتاوة سنوية يدفعونها للخزانة العثمانية في طرابلس. وربما تلك الحادثة هي التي دفعت عزيز سامح التر إلى الظن بأن خضوع فزان للأتراك قديم يعود إلى حادث الغزو العثماني لليبيا منتصف القرن الـ16.

وفي عام 1682، توجه جيش عثماني إلى فزان واشتبك مع قوات السلطان النجيب من أولاد امحمد في معركة قتل فيها الأخير، ولكن دون تمكن الأتراك من غزو فزان. وكانت مدينة مرزق هي المتضررة بشدة من ذلك الانتصار العثماني، حيث تعرضت لعمليات واسعة من السلب والنهب على أيدي الأتراك.

وفي عام 1690، نجح العثمانيون بسلاح الغدر في القبض على السلطان الناصر بن محمد بن جهيم من أولاد امحمد، وأرسلوه أسيرًا إلى طرابلس، بعد أن عذبوه هو وقاضيه عذابًا شديدًا لمعرفة أماكن الأموال المخبأة. وقد تعرضت مدينة رزيق في تلك الحملة لموجة جديدة من السلب والنهب.

شهد القرن الـ 18 الميلادي حملات عثمانية شبيهة إلى فزان، ولكنها ظلت أقل شأنا من سابقتها، ربما لأن حكومة العثمانيين نفسها في طرابلس كان قد أصابها الضعف في ذلك الوقت، متأثرة بغياب الرقابة من الدولة في إسطنبول، وصراعات الانكشارية التي لا تنتهي على السلطة في المدينة. وهي كلها أمور أثرت على تطلعات الأتراك إلى فزان، وسمحت لأولاد امحمد بتثبيت أقدامهم أكثر في المنطقة الصحراوية الواقعة إلى الجنوب الغربي من البلاد.

لكن وصول الأسرة القرمانلية إلى السلطة في طرابلس حوالي منتصف القرن الـ 18 كان إيذانا ببدء موجة جديدة من الصراع بين العثمانيين وأولاد امحمد على فزان. وذلك نتيجة الهدوء الذي فرضه القرمانليون على طرابلس، والقدر الكبير من الاستقلال الذي أظهروه عن المركزية العثمانية. وعلى أي حال، كان يوسف باشا القرمانلي (1793 - 1812) تحديدا هو من أجهز على سلطان أولاد امحمد في فزان، وأخضعها أخيرا للعثمانيين بعد أكثر من قرنين ونصف القرن.

يقول عزيز سامح التر: «وفي عهد يوسف باشا القرمانلي، كان يحكم فزان المدعو السلطان الشيخ محمد. وهذا الشخص لسبب ما قطع الرابطة الضئيلة التي كانت له بطرابلس ولم يدفع الهدية والضريبة.. فبعث يوسف باشا القرمانلي، المدعو "محمد المكني" على رأس قوة من الفرسان وأوصاه بأن يضربهم ضربة لا ينسوا آلامها زمنا طويلا، وذلك بسبب بعد الشقة وصعوبة الحركات العسكرية فيها».

يتابع: «كان محمد المكني قد ذهب في السابق إلى فزان للجباية، ورأى وفرة الضرائب التي يجمعها السلطان السوداني وضآلة الحصة التي كان يبعثها للباشا فقرر السعي للحصول على هذا المنصب وأعلم الباشا بهذه المسألة وأنه إذا عينه متصرفا لفزان وعد بزيادة الضريبة خمسة آلاف قرش التي تدفع الآن سيرفعها إلى 15 ألف قرش، وأن إمساك سلطان فزان عن دفع الإتاوة المعتادة خلق الحجة إلى إرسال محمد المكني المرتبط بهذا الوعد».

قام محمد المكني بمذبحة كبيرة في حق أولاد امحمد، فقتل السلطان الشيخ محمد نفسه، كما قطع رؤوس 200 من أبناء القبيلة دفعة واحدة. يقول المؤرخ التركي "التر": «لما وصل محمد المكني إلى قضاء ودان استباح دماء أموال أهلها، ثم قتل السلطان الشيخ محمد وبلغ من الفظاعة بحيث أمر بذبح أطفال السلطان الرضع في سبيل التعرف على المخابئ السرية لأموال السلطان، وبهذه الصورة استولى على فزان العام 1813».

0 تعليق على موضوع "ذبحوا الأبناء الرضع لزعيم القبيلة: عن حرب العثمانيين وأولاد امحمد في ليبيا"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel