-->
أشهر حكايات قتل الإخوة في التاريخ العثماني: بيازيد الثاني وأخوه الأمير جم

أشهر حكايات قتل الإخوة في التاريخ العثماني: بيازيد الثاني وأخوه الأمير جم

 

أشهر حكايات قتل الإخوة في التاريخ العثماني: بيازيد الثاني وأخوه الأمير جم


من بين حكايات قتل الإخوة العديدة في التاريخ العثماني، تبقى حكاية السلطان بيازيد الثاني مع أخيه الأمير جم هي الأكثر سخونة وإثارة لاعتبارات زمانية ومكانية. فعلى مدار 13 عامًا كاملة، ظل الصراع على عرش إسطنبول قائمًا بين الأخوين حتى حسمه بيازيد في النهاية لصالحه بسلاح الاغتيال، وكانت الأبعاد الجغرافية لهذا الصراع من الاتساع بحيث اشتملت على بلاد بعيدة مثل الأناضول ومصر ورودس، إضافة إلى فرنسا وإيطاليا.

يقول الزعيم المصري الشهير محمد بك فريد في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية: «توفي السلطان محمد الثاني عن ولدين أكبرهما بيازيد سنة 1447، وكان حاكمًا بأماسية، وثانيهما الأمير «جم» المشهور في كتب الإفرنج باسم البرنس زيزيم Zizim وكان حاكمًا في القرمان، فأخفى الصدر الأعظم قرماني محمد باشا موت السلطان محمد حتى يأتي بكر أولاده بيازيد، ولكنه لشدَّة ارتباطه ومودَّته بالأصغر أرسل إليه سرًّا يخبره بموت أبيه كي يحضر قبل أخيه الأكبر ويستلم مقاليد الدولة. ولما أذيع هذا الخبر ثار الانكشارية على هذا الوزير وقتلوه وعاثوا في المدينة سلبًا ونهبًا، وأقاموا ابن السلطان بيازيد واسمه «كركود» نائبًا عامًّا عن أبيه لحين حضوره، وذلك في يوم 4 مايو سنة 1481.

يتابع: «ولما وصل الرسول إلى بيازيد سافر في اليوم التالي بأربعة آلاف فارس ووصل القسطنطينية بعد مسير تسعة أيام مع أن المسافة تبلغ 160 فرسخًا تقطع عادة في نحو 15 يومًا، فقابله أمراء الدولة وأعيانها عند بوغاز (مضيق) البوسفور، وفي أثناء اجتيازه البوغاز أحاطت به عدَّة قوارب ملأى بالانكشارية وطلبوا منه عزل أحد الوزراء المدعو مصطفى باشا وتعيين إسحاق باشا ضابط القسطنطينية مكانه فأجاب طلبهم».

ولما بلغ الأمير جم خبر موت أبيه السلطان محمد، سار على الفور قاصدًا مدينة بورصة، ثم أرسل إلى أخيه يعرض عليه الصلح بشرط تقسيم المملكة بينهما فيختص جم بولايات آسيا وبيازيد بأوروبا فلم يقبل بيازيد، بل أتى إليه وهزمه في معركة بالقرب من مدينة «يكي شهر» يوم 20 يوليو سنة 1481، وتبعه حتى أوصله إلى شمال الشام حيث تخوم البلاد التابعة لمصر المملوكية.

هكذا، أجبر الأمير جم على الفرار إلى المماليك. ووفقًا لمحمد فريد، فإنه: «أقام هذه السنة (1481) بالقاهرة ضيفًا عند السلطان قايتباي، ثم عاد في السنة الثانية إلى حلب ومنها راسل قاسم بك -آخر ذرية أمراء القرمان من التركمان- ووعده أنه لو أنجده وساعده للحصول على ملك آل عثمان يردُّ له بلاد أجداده، فاغترَّ قاسم بك بهذه الوعود وجمع أحزابه وسار مع الأمير جم لمحاصرة مدينة قونية عاصمة بلاد القرمان، فصدهم عنها القائد العثماني كدك أحمد باشا، وفر الأمير جم من جديد».

يتابع محمد فريد: «ثم حاول الأمير جم الصلح مع أخيه بشرط إقطاعه بعض الولايات، ولما رفض السلطان هذا الطلب الذي لا يكون وراءه إلا انقسام الدولة أرسل الأمير جم رسولًا من طرفه إلى رئيس رهبنة القديس حنا بجزيرة رودس يطلب منه مساعدته على أغراضه؛ فقبلوه عندهم بالجزيرة، ووصل إليها في 23 يوليو سنة 1482، وقابلة أهلها بكل تجلة واحترام، وبعد قليل وصلت إلى الجزيرة وفود من السلطان بيازيد لمخابرة رئيس الرهبنة على إبقاء أخيه جم عندهم تحت الحفظ، وفي مقابلة ذلك يتعهَّد لهم السلطان بعدم التعرُّض لاستقلال الجزيرة مدَّة حياته ويدفع مبلغًا سنويًّا للرهبنة المذكورة قدره 45 ألف دوكا، فقبل رئيسهم ذلك وأوفوا بوعدهم ولم يقبلوا تسليمه إلى ملك المجر أو إمبراطور ألمانيا اللذين طلبا إطلاق سراحه ليستعملاه آلة في إضعاف الدولة العثمانية، بل أرسله رئيس الرهبنة إلى فرنسا ووضع تحت الحفظ، وبقي ينقل من بلدة لأخرى مدة سبع سنوات».

وبعد هذه السنوات في المنفى الفرنسي، وتحديدًا في سنة 1489 سلم الأمير جم إلى البابا إنوسنت الثامن الذي اتصل بالسلطان بيازيد طالبًا أن يحفظه عنده وتدفع إليه الدولة ما كانت تدفعه إلى رهبنة رودس فقبلت، ثم مات هذا البابا وخلفه البابا إسكندر السادس، ويقال إن هذا البابا عرض على السلطان بيازيد أن يخلصه من أخيه، وبعبارة أخرى يقتله لو دفع إليه ثلاثمائة ألف دوكا.

وفي أثناء تلك المفاوضات العثمانية -البابوية حول الأمير جم، «أغار شارل الثامن -ملك فرنسا- على بلاد إيطاليا لتنفيذ مشروعه الوهمي، وهو فتح مدينة القسطنطينية والوصول إليها عن طريق بلاد البنادقة فألبانيا، ولذلك كان أرسل دعاة الفتنة والفساد إلى بلاد مقدونيا واليونان لإثارة الأفكار ضدَّ العثمانيين، لكن خشي ملك نابولي وجمهورية البنادقة من تعاظم شأن الدولة الفرنساوية، فوضعوا العراقيل أمامه وأرسلوا إلى السلطان بيازيد يخبرونه بمشروع ملك فرنسا ودسائسه، وطلبوا منه أن يرسل جيوشه إلى بلاد إيطاليا وأن يأخذ حذره».

يتابع فريد بك: «وفي هذه الأثناء حاصر ملك فرنسا مدينة رومة وطلب من البابا أن يسلمه الأمير جمًّا العثماني فسلمه إليه، ويقال: إنه دس له السم قبل تسليمه إليه وما فتئ هذا الأمير مصاحبًا لجيوش فرنسا حتى توفي في يوم ١٤ فبراير سنة ١٤٩٥ في مدينة نابولي، ودفن في بلدة «جاييت» بإيطاليا، ثم نقلت جثته بعد ذلك بمدَّة إلى البلاد العثمانية ودفن في مدينة بورصة في قبور أجداده. وتوفي رحمه الله عن ٣٦ سنة قضى منها ١٣ في هذه الحالة الشبيهة بالأسر خارجًا عن بلاده».

 

الأمير في الذاكرة
رغم نهاية الأمير جم، فإن حياته التي اتسمت بالدراما العالية، تركت آثارها الواسعة على الآداب التركية والأوروبية على حد سواء. ففي تسعينيات القرن الـ 15 الميلادي، نشر وليم كورسين، نائب مستشار الفرسان الهوسبتاليين كتابا عن حياة الأمير جم، لاقى نجاحا واسعا في الأوساط الغرب أوروبية. ثم في القرن الـ19، استوحى الروائي الهاييتي ديميسفار ديلورم يوميات جم في الأسر بأوروبا، في روايته فرانشيسكا (1872). ثم شهد القرن العشرين ظهور رواية كاملة عن حياة جم باسم (قضية جم) من تأليف المؤرخ البلغاري المتخصص في التاريخ العثماني فيرا موتفشيفا.
إضافة إلى هذا الوجود الكثيف لشخصية جم في عالم الأدب الروائي، فقد وجدت قصته طريقها بسهولة إلى شاشات الدراما والسينما. ففي العام 1951، أنتج فيلم تركي بعنوان جم سلطان، قام فيه الممثل التركي بونت أفق بأداء دور جم، ثم أعيد عرض قصة الأمير في فيلم تركي آخر هو "ابن الملك جم سلطان" في العام 1969، وأدى دور الأمير فيه الممثل التركي جهانجير جعفري. وإلى جانب تلك الأفلام، فقد قدمت شخصية الأمير جم في مسلسل أوروبي بعنوان آل بورجيا، يروي حكاية الأيام الأخيرة في أسر عائلة بورجيا، والتي حكمت روما بقبضة فولاذية نهاية القرن الـ 15، وكان منها البابا إسكندر السادس نفسه، والذي ينسب إليه اغتيال الأمير العثماني.

0 تعليق على موضوع "أشهر حكايات قتل الإخوة في التاريخ العثماني: بيازيد الثاني وأخوه الأمير جم"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel