-->
«الميثاق الملي»... الخريطة التي يهدد أردوغان باستعادتها في 2023

«الميثاق الملي»... الخريطة التي يهدد أردوغان باستعادتها في 2023

 

«الميثاق الملي»... الخريطة التي يهدد أردوغان باستعادتها في 2023


إن أي محاولة لفهم التحركات العسكرية متعددة الأهداف الجغرافية لرجب طيب أردوغان، خلال السنوات الأخيرة، لا يمكنها أن تتم بمعزل عن معرفة الوثائق التاريخية التي يلوح بها الرئيس التركي في كل مناسبة. وأهم تلك الوثائق على الإطلاق ما يعرف بـ«الميثاق الملي»، الصادر عن الآباء المؤسسين للجمهورية التركية في عام 1920، وهي الوثيقة التي يتخذها أردوغان اليوم لشرعنة سياساته العدوانية في الشمالين السوري والعراقي، إضافة إلى تراقيا الغربية وبحر إيجة وشمال قبرص. 

كانت المرة الأولى التي يشير فيها الرئيس التركي إلى الميثاق الملي خلال شهر أكتوبر من عام 2016، عندما استبعدت تركيا من المشاركة في حملة قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير مدينة الموصل شمال العراق من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). فقد رد أردوغان على استبعاد بلاده بالقول: «في الموصل التاريخ يكذب علينا.. وإذا رغب السادة الأفاضل (يقصد الحكومة العراقية) في التحقق من ذلك فعليهم بقراءة الميثاق الملي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا»، مؤكدًا على أن الجيش التركي سيشارك في عمليات تحرير المدينة. 

وعلى الرغم من أن تأكيدات الرئيس التركي الأخيرة قد تبخرت في الهواء، بعد أن اقتصر تحرير الموصل على قوات من الجيشين العراقي والأمريكي، إضافة إلى ميليشيات «الحشد الشعبي» وقوات «البشمركة» الكردية، فإن إشارة أردوغان إلى الميثاق الملي كانت أهم ما تبقى من زوبعة تحرير الموصل، حيث صارت مفسرة لتحركات تركيا ضد جيرانها المتاخمين لها في الجنوب والغرب، وليس فقط في الشمال العراقي. 

 

من العثمانية إلى القومية

في نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، تكبدت جيوش الدولة العثمانية الهزيمة أمام الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا)، وأجبر قادة إسطنبول على توقيع «هدنة مودروس» مع أعدائهم. وبعد غزو اليونان لمدينة إزمير في 16 مايو 1919، أصدر مصطفى كمال (أتاتورك مستقبلًا)، خطاب أماسيا في 22 يونيو من العام نفسه، والذي أوضح فيه أن وحدة تركيا أصبحت على المحك، وأن الحكومة العثمانية في إسطنبول ضعيفة وعاجزة عن الدفاع عن مصالح الشعب التركي.

وفي 23 يوليو 1919، ترأس مصطفى كمال المؤتمر الوطني في مدينة أرضروم، واتخذ مجموعة قرارات حاسمة، أهمها تشكيل حكومة جديدة تكون هي المتحدثة باسم تركيا بدلًا عن حكومة إسطنبول العثمانية. وفي 4 سبتمبر من العام نفسه، عقد مؤتمرًا جديدًا في سيواس للإعلان عن تشكيل «جمعية الدفاع عن الأناضول والروم إيلي (تراقيا)»، ثم انتقل إلى أنقرة ليتخذها مقرًا للجمهورية الوليدة.

وفي 12 يناير 1920 أمر مصطفى كمال بعقد البرلمان العثماني. وبعد عدة جلسات من النقاش، أعلن المجلس في 28 يناير عن الاتفاق (الميثاق الملي)، باعتباره وثيقة ترسم الحدود الجديدة لتركيا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. وتكون الميثاق من مبادئ ستة:

* مستقبل المناطق المحتلة ذات الأغلبية العربية في زمن توقيع اتفاقية مودروس سوف يحدد عن طريق استفتاء، أما المناطق التي لم تتعرض للاحتلال وقت توقيع الهدنة وتسكنها غالبية تركية مسلمة فهي تعتبر وطنًا للأمة التركية. 

* وضعية قارص وأردا خان وباطوم تحدد من خلال استفتاء. 

* وضعية تراقيا الغربية تحدد من خلال تصويت سكانها. 

* يجب ضمان أمن إسطنبول وبحر مرمرة، وسيتم الإشراف على التجارة الحرة والانتقالات في المضايق من قبل تركيا والبلدان الفاعلة.

* حقوق الأقليات سوف تضمن حال ضمان حقوق الأقليات المسلمة في البلدان المجاورة. 

* لضمان تطور تركيا في كل المجالات، لابد من ضمان استقلال وحرية الدولة وإلغاء كل الالتزامات السياسية والقضائية والمالية على البلاد.

 

اعترف «الميثاق الملي» بتلك الصورة بخسارة الأتراك للولايات العربية. ولكنه استثنى إقليم كردستان بالكامل. إضافة إلى شمال سوريا (وعاصمته حلب)، وشمال العراق (وعاصمته الموصل)، حيث اعتبر الميثاق تلك المناطق جزءًا من الدولة التركية الجديدة، باعتبار أن أغلبية سكانها من الناطقين بالتركية. وهو ما تكرر من قبل «الميثاق الملي»، عندما اعتبر تراقيا الغربية، وجزر بحر إيجة، إضافة إلى جزيرة قبرص بالكامل جزءًا كذلك من تركيا، وللأسباب نفسها. 

أثارت الخريطة المنبثقة عن «الميثاق الملي» غضب الحلفاء. وقامت القوات اليونانية بالهجوم على الخط الغربي من الأناضول في 3 مارس 1920، بينما احتل الحلفاء العاصمة العثمانية إسطنبول في 19 مارس.

ونتيجة لتلك الأحداث المتلاحقة، وقعت الحكومة العثمانية في إسطنبول «معاهدة سيفر» مع الحلفاء في العاشر من أغسطس 1920، حيث خلقت المعاهدة حدودًا جديدة لتركيا، تخالف تلك الحدود التي أقرها «الميثاق الملي»، ولا تتجاوز منطقة الأناضول، وتراقيا الشرقية دون الغربية. مع تقسيم الأقاليم العربية في سوريا والعراق، بما فيها مدن حلب والموصل، وكردستان العراقية والسورية بين بريطانيا وفرنسا.

رفض مصطفى كمال ورفاقه من القوميين الأتراك «معاهدة سيفر»، وأعلن من «الجمعية الوطنية التركية» التي كان قد ألفها منذ أبريل 1920، عدم اعترافه بالحكومة العثمانية في إسطنبول متهما إياها بخيانة الميثاق الملي. ثم شكل حكومة جديدة في أنقرة، وأعقب ذلك اندلاع حرب الاستقلال التركية اليونانية، التي انتهت في 11 أكتوبر 1922 بانتصار الجيش التركي.

جعل الانتصار في حرب الاستقلال من مصطفى كمال بطلًا قوميًا. ونال مع حكومته في أنقرة اعترافًا دوليًا من خلال دعوة حكومتي أنقرة وإسطنبول إلى مفاوضات السلام الجديدة في مدينة لوزان جنوب سويسرا.

 

«لوزان 1923»

وفي الأول من نوفمبر 1922، أعلن أتاتورك إلغاء السلطنة العثمانية وحل حكومة إسطنبول، وأكد أن وفد أنقرة برئاسة عصمت إينونو هو الممثل الوحيد للأتراك في لوزان. 

وفي الجولة الأولى من المفاوضات من 21 نوفمبر 1922 إلى 4 فبراير 1923، ربط عصمت إينونو توقيعه على المعاهدة بالموافقة على بنود «الميثاق الملي»، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل الحلفاء في 31 يناير عام 1923. 

أيقن مصطفى كمال أن التصلب حول شروط «الميثاق الملي»، والخريطة المنبثقة عنه سوف يؤدي إلى إشعال حرب لا طاقة للأتراك بها. وبالتالي، فضل التمسك بما حققه من مكاسب في حرب الاستقلال، وأمر إينونو بالتوقيع على المعاهدة بأي ثمن.

بدأت الجولة الثانية من مفاوضات لوزان في 23 أبريل 1923، وانتهت بتوقيع الاتفاقية في 24 يوليو. ولم تقبل «معاهدة لوزان» من مواد «الميثاق الملي» سوى الفتات، حيث منحت تركيا حكم مدينتي قارص وأردا خان، بينما خرجت باطوم من السيادة التركية (هي اليوم عاصمة جمهورية ذاتية الحكم تدعى أرجا تقع جنوب جورجيا).

أما البندان الأول والثالث، وهما الأكثر إثارة للجدل بين الأطراف المتفاوضة، فقد جرى رفضهما تمامًا، حيث اعتبر الأول بمثابة إصرار تركي على إنكار الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، وخسارة كامل الوجود بالعالم العربي، وبالتالي أصبحت مسألة الاستفتاء خاوية من المعنى.

وبالنسبة للشق الثاني من نفس البند، الذي حاول الأتراك من خلاله الاستيلاء على الشمالين العراقي والسوري بسبب خلوهما من أغلبية عربية، فإن المجتمعين في لوزان كانوا على إدراك بسياسات التتريك الممنهجة التي اتبعتها الحكومة العثمانية تجاه تلك المناطق منذ أوائل القرن العشرين، خصوصاً في الموصل التي حاول الأتراك الاستيلاء على ثروتها النفطية من خلال التأكيد على حق إثني تركماني فيها، الأمر الذي رفض بطبيعة الحال في لوزان.

ومصير الرفض الذي لاقاه البند الأول هو نفسه الذي كان في انتظار البند الثالث، حيث جرت عملية تعداد للسكان في تراقيا الغربية، أثبتت أن العرق اليوناني يمثل الأغلبية في الإقليم بنسبة 63% مقابل 30% فقط للأتراك.

هكذا، حسم قبول مصطفى كمال لمواد «لوزان» مصير «الميثاق الملي» بتحويله إلى وثيقة متحفية لا يستند عليها لتقرير أي حق جديد لتركيا. ولكن القادة الأتراك رغم ذلك، حاولوا في السنوات اللاحقة لتأسيس الجمهورية استعادة ما فقدوه من «لوزان». ففي عام 1939، أقدم مصطفى كمال أتاتورك على احتلال لواء الإسكندرونة السوري بعد تسويات سياسية مع حكومة  الانتداب الفرنسي في دمشق. ولا يزال اللواء محتلًا من قبل تركيا إلى اليوم تحت اسم يمسخ هويتها الأصلية، وهو هاتاي. وفي عام 1974، قام الجيش التركي باحتلال شمال قبرص، مؤسسًا لما يعرف بجمهورية شمال قبرص التركية، التي لا يعترف بها أحد حتى الآن سوى تركيا نفسها. 

 

حرب أردوغان

إذن، فتلويح أردوغان باستعادة «الميثاق الملي»، يعتبر امتدادًا لما قام به أسلافه لتحقيق الهدف نفسه، وليس بدعًا جديدًا من عنده. والفارق الأساسي بينهما هو أن أردوغان كان أول من وسع من عمليات الاستعادة تلك، بالهجوم العسكري على سائر البقاع المفقودة من خريطة «الميثاق الملي» في وقت واحد. 

اليوم، تمتلك تركيا عشرات القواعد العسكرية في شمال العراق. بينما تنفذ بصورة دورية عمليات عسكرية ضد الشمال السوري تمهد لسلخه تمامًا عند رسم القوى الكبرى لخارطة سوريا المستقبلية. وفي بحر إيجة، لا يتوقف سلاح الجو التركي عن التحرش بالقواعد العسكرية اليونانية فوق الجزر الإيجية. وفي قبرص، تتزايد عمليات التتريك للشمال القبرصي وطمس هويته الإثنية. 

يؤكد ما سبق أن رغبة أردوغان في إعاقة قيام دولة كردية فوق مناطق التشظي الكردية في تركيا وإيران وسورية والعراق يمكنها أن تفسر فقط حرب الأتراك الحالية داخل العالم العربي، ولكنها لن تفسر أبدًا في المقابل تحركاته العسكرية ضد اليونان وقبرص. 

هنا فقط يبرز «الميثاق الملي»، ونية أردوغان استعادته كمفسر أكثر منطقية لتلك الحروب. ولا شك أن ثراء كل المناطق التي يتوزع بينها نشاطه العسكري بموارد الطاقة (خاصة شمال العراق، والمياه الإقليمية لقبرص) - وهي موارد تفتقدها تركيا بشدة - عاملًا إضافيًا يدفع أردوغان دفعًا لاستخدام «الميثاق الملي» وثيقة يحاول بها منح شرعية تاريخية لحربه، التي لا شك أن تمطيط الجيش التركي فيها بين جبهات عدة، من شأنه التبشير بنهاية كارثية لدولة أردوغان، ربما لا تقل عن تلك التي عاشتها السلطنة العثمانية بعد توقف المدافع في الحرب العالمية الأولى.  

0 تعليق على موضوع "«الميثاق الملي»... الخريطة التي يهدد أردوغان باستعادتها في 2023"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel