-->
سد النهضة في صورته الأولى «1».. إثيوبيا تهدد المماليك بحرمان مصر من النيل

سد النهضة في صورته الأولى «1».. إثيوبيا تهدد المماليك بحرمان مصر من النيل


أصبح استدعاء الصراع التاريخي على مياه النيل بين مصر وإثيوبيا ضروريًا في تلك الأيام التي يقترب فيها سد النهضة الإثيوبي، من الدخول في مرحلة ملئه الثاني، وبالتالي التأثير على حصة المصريين التاريخية من مياه النهر الذي منحهم وأجدادهم الحياة، إذ تظل أية قراءة عازلة للمشروع الإثيوبي العملاق عن خلافات البلدين التاريخية حول النهر قراءة منقوصة، بما أن سد النهضة يعد محطة ختامية في رحلة طويلة من التهديدات الإثيوبية لمصر بحرمانها من مياه النيل.

التقرير التالي يحاول رصد أبرز المحطات في تلك الرحلة..

في مقالها المعنون بـ «الماء، النيل، وتمارا مريم.. معجزة مريم العذراء في الرؤية الإثيوبية»، تؤكد الباحثة فيرونيكا سكس أن مصر ظلت متخوفة على الدوام خلال العصور الوسطى من إمكانية حرمانها من النيل على يد الإثيوبيين، إلى حد أن الشدة المستنصرية (1066 - 1072)، والتي تعرضت فيها مصر لموجة جفاف حادة للغاية، كادت أن تجهز على قوتها البشرية والمادية، قد اتهم ملك الحبشة بالتسبب فيها عن طريق حجز مياه النيل. والمقال يشير إلى رواية غير محددة الأصل، تتحدث عن سفارة تحمل هدايا قيمة أرسلت من القاهرة إلى ملك الحبشة كي يسمح بمرور مياه النهر إلى مصر.

وفي القرن الرابع عشر الميلادي، ومع نشوء مشكلات طائفية كبيرة في مصر والشام بسبب الخلافات بين المماليك وأهل الذمة من النصارى، عاد ملوك الحبشة، والذين ينظرون إلى الكنيسة الأرثوذكسية المصرية نظرة تقديس، بحكم أنها التي أدخلت إثيوبيا أصلًا في المسيحية، لاتخاذ مواقف متشددة ضد حكام مصر وتهديدهم بحجز النيل، إذا لم تتوقف موجات الاضطهاد التي يتعرض لها المسيحيون.

ففي عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، أرسل ملك الحبشة «جبره مصقل» خطابًا خشن اللهجة إلى القاهرة يهدد بقطع النيل عن مصر. وفي سنة 1381، استغل ملك الحبشة دويت الثاني، ويسمى في المصادر المملوكية بـ داود بن سيف أرعد، الضعف الطارئ في دولة المماليك وأنفذ حملة عسكرية لمهاجمة أسوان جنوب مصر. يقول ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور) عن تلك الحادثة، ضمن أحداث شهر جمادى الآخرة سنة 783 هـ/ 1381: «ورد الخبر بأن متملك الحبشة داود بن سيف أرعد، تعدى على أطراف بلاد السلطان، وأنفذ جيشا إلى أطراف معاملة أسوان فنهبوا البلاد، ونال منهم العربان ضرر عظيم.. فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك، بعث خلف بطريق (بطرك) النصارى اليعاقبة المسمى متى ابن سمعان (ماتيوس الأول) فلما حضر أمره أن يكتب إلى صاحب الحبشة ويمنعه من التعرض إلى بلاد السلطان فكتب إليه البطريق بما اقترحه عليه الأتابكي برقوق بالإنكار عليه ندب لرسالته البرهان إبراهيم الدمياطي نقب قاضي القضاة المالكي فتوجه بهذ الرسالة إلى صاحب الحبشة».

ويبدو أن سفارة المماليك قد وفقت في مساعيها ونجحت في تهدئة الموقف مع إثيوبيا، حيث يشير ابن إياس في حوادث شهر ذي الحجة من سنة 788 هـ/ 1387 إلى قدوم رسل ملك الحبشة إلى مصر، وصحبته «هدية حفلة للسلطان طلعت إلى القلعة على رؤوس أحد رؤوس أحد وعشرين حمالًا وهي ما بين قماش وتحف وظرائف بلادهم، وكان من جملة تلك الهدية عدة قدور ملئت بذهب قد صيغ على قدر الحمص وهي من أجود الذهب».

ساهمت حملة دويت الثاني ضد أسوان في ذيوع صيته إلى أبعد حد في الأوساط الصليبية بغرب أوروبا، واستعيدت أسطورة القديس جورج التي قالت بوجود حليف صليبي في الحبشة يمكنه أن يعين أوروبا في طرد المسلمين من القدس. وبالفعل، في العام 1400، حاول ملك إنجلترا هنري الرابع أن يعقد تحالفا عسكريا واسعا مع الحبشة لإنفاذ حملة صليبية ضد المسلمين في مصر والشام.

ومع انتصاف القرن الخامس عشر الميلادي، عادت التهديدات الإثيوبية بقطع النيل. يقول ابن إياس في حوادث شهر رجب سنة 847 هـ/ 1444: «قدم قاصد صاحب الحبشة وصحبته هدية للسلطان، وكان في مكاتبته بعض تهديد لأهل مصر بأنه يسد عنهم مجرى النيل، وكان ذلك بسبب البطرك وطائفة النصارى فلما قرأ السلطان كتابه حنق وعين له يحيى بن شاد بك (كان عارفا بلغة الحبش) قاصدا وعلى يديه مكاتبة، فخرج يحيى بن شاد بك مع قاصد ملك الحبشة، وأقام هناك مدة طويلة».

وللمرة الثانية، تعود الأوضاع إلى الهدوء بين الطرفين الحبشي والمملوكي، ولن تظهر سفارة جديدة من ملك الحبشة في القاهرة إلا في محرم 886 هـ/ 1481، لطلب أسقف يعين نائباً عن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في إثيوبيا. يقول ابن إياس: «قدم قاصد ملك الحبشة فأوجب له السلطان الأشرف قايتباي بالحوش موكبا حافلا، وحضر صحبته تقدمة حافلة للسلطان، فأكرم ذلك القاصد جدا وسبب حضوره أنه جاء يسأل البطرك بأن يولي شخصا يكون نائبا عنه ببلادهم». ثم ظهرت سفارة إثيوبية أخيرة قبيل الغزو العثماني للقاهرة، تحديدا في محرم 922 هـ/ 1516، تطلب هذه المرة من السلطان المملوكي قانصوة الغوري الإذن بالسفر إلى القدس لأداء الحج، ومنحت بالفعل إياه.

0 تعليق على موضوع "سد النهضة في صورته الأولى «1».. إثيوبيا تهدد المماليك بحرمان مصر من النيل"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel