-->
الرمح الثلاثي «1».. إسرائيل تطعن العرب بتركيا وإيران وإثيوبيا

الرمح الثلاثي «1».. إسرائيل تطعن العرب بتركيا وإيران وإثيوبيا

 

الرمح الثلاثي «1».. إسرائيل تطعن العرب بتركيا وإيران وإثيوبيا


قبل شهور من إعلان قيام دولة إسرائيل فوق الأرض العربية المغصوبة (14 مايو 1948)، ألقى العضو اللاحق في الحزب الليبرالي بالكنيست الإسرائيلي، باروخ أوزيل، سلسلة محاضرات حول الموقف الجيوبوليتيكي الحرج لإسرائيل، والذي جعلها محاصرة بمحيط عربي معاد لها ورافض لوجودها، وكيفية الفكاك منه. 

في المحاضرات، والتي عاد أوزيل لتلخيص محتواها في مذكرة قدمها إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية. ثم نشرها مرة أخرى في تقرير بجريدة بيت ريم التابعة لحزب مباي (حزب العمال لأرض إسرائيل) في نوفمبر من العام 1948، أشار المفكر السياسي الصهيوني إلى أن العدو الأخطر لإسرائيل، والذي يمثل تهديدا وجوديا لها، هو الفكرة الإمبريالية الكامنة وراء دعوات الجامعة العربية، والتي تهدف في الأساس إلى إقامة كونفيدرالية واسعة من البلدان العربية، سوف تنظر حتما إلى الكيان الصهيوني، هذا النتوء الجغرافي الشاذ فوق خريطة الشرق الأوسط، باعتباره عثرة في طريق تحقيقها إلى الوحدة الكاملة بين الشعوب العربية.

ولمواجهة هذا الخطر، قال أوزيل إنه على إسرائيل أن تطور علاقات سياسية وطيدة مع حلفاء في الشرق الأوسط من بين المجموعات الإثنية التي تستشعر الخطر مثل إسرائيل من تنامي القومية العربية. وتضمنت فكرته كل المجموعات الإثنية غير العربية في الإقليم تقريبا: "الأتراك، الإيرانيون، الموارنة الكاثوليك في لبنان، العلويون في شمال سوريا، اليونانيون، الأرمن، وأخيرا الأخلاط الإثنية في منطقة الجزيرة الفراتية من الآشوريين والأكراد".

هذه الشعوب التي تعادل العرب في العدد السكاني، بل ويتفوق بعضها على العرب في الاندماج مع الثقافة الغربية، وكذلك في القوة العسكرية، يمكنها أن توفر - في نظر أوزيل - لإسرائيل حلفاء سوف يجعلوها بلا شك أقوى من محاصريها العرب أنفسهم، وسوف يجبر هؤلاء على قبول الوجود الصهيوني فوق الأراضي الفلسطينية، وطلب السلام معه، بدلا من الدخول في حرب إقليمية شاملة ضد حلفاء إسرائيل.

وعلى الرغم من أن فكرة باروخ أوزيل بهذا الترتيب كانت ملونة بالنسبة لصانع القرار في تل أبيب، عاصمة إسرائيل الناشئة، فإن عقبات كبيرة كانت تواجهه عند الرغبة في تحقيقها على أرض الواقع. أهمها على الإطلاق المشكلات البينية ذات البعد التاريخي داخل أعضاء الحلف المراد تشكيله، مثل الصراعات المسلحة بين الأكراد والأتراك، وبين الإيرانيين والأكراد. وكذلك نتيجة الصلات الروحية وقوامها الإسلام، والتي كانت تجمع بين الشعوب العربية وغير العربية في المنطقة. 

رغم ذلك، بدد أوزيل مخاوف قادة إسرائيل من أن يتسبب أيا من ذلك في إعاقة الحلف إن قررت إسرائيل المضي قدما فيه، حيث أكد أن الاعتبارات الجيوبوليتيكية والقومية سوف تحقق النجاح الكامل للحلف. وكان يقصد بذلك سيطرة النخب العلمانية في كلا من إيران وتركيا على الحكم، وتنحيتها الكاملة للإسلام من الواجهة السياسية في البلدين. كما كان يشير إلى العداوات التاريخية بين الإيرانيين والأتراك من ناحية وبين العرب من ناحية أخرى. وكل ذلك في نظره سوف يشجع تلك الأطراف على التعاون مع إسرائيل، وعدم إقامة أي وزن لتراث ديني أو ثقافي مشترك مع العالم العربي.

كان أوزيل محقا بالكامل في تقليله من مخاوف قادة الصهيونية. فلم يكد يمر عام على قيام إسرائيل، حتى كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل في 28 مارس من العام 1948، ثم تبعتها إيران البهلوية بعد فترة قصيرة.

ومع نهاية حكم الحزب الواحد في أنقرة، مع فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية البرلمان التركي، وحصول زعيمه عدنان مندريس على منصب رئيس الوزراء، ومع انضمام تركيا إلى خطة مارشال للدعم العسكري الأمريكي ضد الاتحاد السوفيتي، ثم دعوتها لتكون عضوا في حلف شمال الأطلسي، أبدى الأتراك استعدادا واسعا للتعاون مع إسرائيل، والانتصار لقضيتها، رغبة منهم في تأكيد صداقتهم لواشنطن، فاصطف مندريس مثلا في العام 1951 مع القوى الغربية، ضد قرار مصر منع الملاحة الإسرائيلية من استخدام الممر الملاحي لقناة السويس. كما أن رئيس الوزراء التركي عاد في العام 1956 وأيد الضربة العسكرية التي وجهتها دول إسرائيل وبريطانيا وفرنسا لمصر، فيما عرف باسم حرب السويس. 

لكن ذلك كله، لم يعني تبلور أفكار أوزيل في حلف حقيقي مع تلك الأطراف المعادية للعرب. وكان عليه الانتظار حتى العام 1958، أي بعد عقد كامل من طرح فكرة الحلف، ليشهد عودة الحديث في الأروقة الخاصة بالقيادة الإسرائيلية حول ضرورة إيجاد طريقة للتخلص من الحصار العربي. 

كان هذا معبرا عن الظروف الدقيقة التي كان يمر بها الشرق الأوسط منذ منتصف الخمسينيات. فقد كان تصاعد المد العربي بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ودعوة الأخير إلى تدشين وحدة سياسية مع الحكومة السورية في كيان جمهوري موحد، سببا في شعور قادة الصهيونية بأن إسرائيل سوف تصبح قريبا واقعة بين فكي كماشة طرفاها القاهرة ودمشق، ما يهدد بإزالتها من الوجود. أي أنها عادت إلى نفس المخاوف القديمة التي أثارها قبل عشر سنوات باروخ أوزيل، وبالتالي كان طبيعيا أن تعود إلى الأخير، وإلى الحلول التي طرحها.

ففي العام 1957، قام رؤوفين شيلواح، مؤسس شبكة الاستخبارات الإسرائيلية الدولية، وأول رئيس لجهاز الموساد، بطرح فكرة باروخ أوزيل حول التحالف بين إسرائيل والجماعات الإثنية الشرق أوسطية المعادية للعرب للنقاش مرة أخرى. ولفت شيلواح النظر إلى تقرير أوزيل الذي كتبه في العام 1956 عن وصول الكتلة السكانية لتلك الجماعات الإثنية مجتمعة إلى نحو 50 مليون نسمة، أي أكثر من الشعوب العربية التي قدرتها الإحصاءات بنحو 36 مليون نسمة، ما يمنح تل أبيب في حال إقامة التحالف تفوقا عدديا على العرب، وهي العقدة التي طالما أزعجت الصهاينة منذ وطأت أقدام أجدادهم في فلسطين للمرة الأولى.

وفي اجتماع عقد بوزارة الخارجية الإسرائيلية في 11 سبتمبر من العام 1957، بعد وقت قصير من تعيينه مستشارا خاصا لوزير الخارجية الإسرائيلي، ناقش رؤوفين شيلواح إمكانية بدء التحالف من تركيا، والتي اعتبرها أكثر الأعضاء قربا من إسرائيل في نظرية باروخ أوزيل، أولا بسبب العلاقات التاريخية الممتازة بين تركيا والصهيونية من جهة، وبسبب تقاسم الطرفين التركي والإسرائيلي المخاوف من صعود حكومة سورية في دمشق، تكون موالية للاتحاد السوفيتي ثانيا.

لكن تقارير رسمية إسرائيلية أكدت أن عدنان مندريس ليس على استعداد للدخول في تحالف مع إسرائيل بسبب حرصه على حلف بغداد الذي كان قد كونه برعاية بريطانية في العام 1955 من مجموعة دول شرق أوسطية أهمها العراق وإيران لمجابهة القومية العربية المتحالفة مع السوفييت. فقد كان مندريس يخشى انسحاب العراق من الحلف إن علم الأخير بتعاون تركي إسرائيلي. وبالتالي فإن رئيس الوزراء التركي كان يكتفي بـ "بغداد" ويعتبره الأنسب لبلاده والمحقق لمصالحها الآنية.

ولكن مع اندلاع ثورة عبد الكريم قاسم ورفاقه من الضباط الماركسيين في العراق في يوليو 1958، وإعلان الثائرين انسحابهم من حلف بغداد المخزي، والذي كان طعنة في خاصرة العرب، عادت تركيا مندريس وحيدة مرة أخرى في مواجهة التهديدات السوفيتية. ولكن مع إضافة وضع جغرافي شديد التعقيد هذه المرة، تصبح فيه أنقرة محاصرة بين تركيا في الشمال، وبين الجمهوريات العربية الموالية للسوفييت أو المقربة منه في الجنوب، في العراق وسوريا. أي أن تركيا أصبحت مثيلة لإسرائيل في كونها محصورة جيوبوليتيكيا، ما جعل اللقاء بين الأتراك والصهاينة حتميا.

أدرك باروخ أوزيل الوضع الجديد وعاد ليكتب عرضا لفكرته الخاصة بالتحالف بين إسرائيل وأعداء العرب في الشرق الأوسط. ولكنه هذه المرة أضاف إلى نظريته حلفاء جدد، أهمهم إثيوبيا، معتبرا أن حلفا بين إسرائيل وبين تركيا المتاخمة لسوريا والعراق من الشمال، وإيران المتاخمة للعراق من الشرق، وإثيوبيا المؤثرة على حصة مصر من مياه النيل في الجنوب، من شأنه أن يفرض حصارا على العرب، يجعلهم غير قادرين على الهجوم العسكري على إسرائيل. وبسبب حقيقة هذا الحصار الذي سيؤدي إليه التحالف، أطلق أوزيل عليه اسم التحالف المحيطي، أي الذي يحيط بالعرب من ثلاث جهات. كما منحه اسما آخر هو تحالف الرمح الثلاثي، والذي تكون أطرافه المدببة الثلاثة هي أنقرة وأديس أبابا وطهران، موجهة إلى صدور دمشق والقاهرة وبغداد على التوالي. 

تلقف رؤوفين شيلواح تقرير أوزيل على الفور، وبدأ في اتصالاته بالمسؤولين في دول الرمح الثلاثي. وفي الجانب التركي تحديدا، عمد شيلواح إلى الاستعانة بإلياهو ساسون، سفير إسرائيل السابق في تركيا، وصاحب العلاقات الممتازة بعدنان مندريس، والنخبة الحاكمة في أنقرة لإقناع الأخيرة بضرورة الموافقة في دخول التحالف المحيطي مع تل أبيب. 

وفي 24 يوليو 1958، أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون خطابا إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور يخبره بنجاح إسرائيل في تقوية علاقاتها مع تركيا وإيران وإثيوبيا لمواجهة جمال عبد الناصر والنفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، مطالبا واشنطن بضرورة الموافقة على تشكيل التحالف المحيطي، ودعمه سياسيا وماديا. 

ونتيجة الأحداث الساخنة في العراق بين شهري يوليو وأغسطس من العام 1958، رأى الأمريكيون أن الحلف الذي تنوي إسرائيل عقده، حلا فاعلا لمواجهة السوفييت في المنطقة. وبالتالي، فقد ردت واشنطن على بن جوريون بخطابين، الأول من أيزنهاور في 25 يوليو 1958، والثاني من جون فوستر دالاس سكرتير الدولة الأمريكية لشؤون الدفاع في 4 أغسطس من نفس العام، وكلا منهما حوى دعما للخطة الإسرائيلية المتعلقة بالتحالف المحيطي.

بل إن أمريكا راحت إلى أبعد من ذلك، حين راح مسؤولوها يقيمون زيارات مكوكية بين تركيا وإيران وإثيوبيا لتشجيع تلك البلدان على الدخول في التحالف المحيطي دون تردد. وهو ما دفع إسرائيل في النهاية إلى القول بأن حلف الرمح الثلاثي عقد بمباركة أمريكية.

هكذا، لم يبقى أمام إسرائيل سوى عقد الرمح الثلاثي رسميا. واختار بن جوريون تركيا لتكون شاهدة على تدشين الحلف الذي حلمت به إسرائيل طويلا. وفي 29 أغسطس من العام 1958، ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنفسه إلى أنقرة في زيارة سرية والتقى عدنان مندريس. وهناك اتفقا على ما أطلق عليه الميثاق الشبح بين تركيا وإسرائيل، والذي اشتمل على زيادة التعاون وتنشيط التبادل التجاري بين الطرفين، ودعم الصناعة التركية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بحيث تخبر تركيا الموساد بتحركات العملاء العرب ضد إسرائيل، مقابل أن تمد الأخيرة المخابرات التركية بالمعلومات حول النشاطات السوفيتية ضد تركيا.

كما أعلن في الاجتماع بين المسؤولين التركي والإسرائيلي عن انضمام إيران وإثيوبيا إلى التحالف المحيطي، بنفس الشروط السابقة تقريبا. وبتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، تم تأسيس مبنى في تل أبيب ليكون مقرا رئيسيا لدول الرمح الثلاثي، خصص فيه قسم بالكامل للإيرانيين عرف بالقسم الأزرق، وقسم آخر للأتراك عرف بالقسم الأصفر. ولكن ظل المبنى دون استعمال حقيقي، حيث كانت أعمال التحالف تقام من خلال التواصل بين الموساد وأجهزة الاستخبارات في دول الحلف الثلاث دون الحاجة إليه، ما دفع الموساد إلى تحويله لمنشأة تدريبية لعملائها.

0 تعليق على موضوع "الرمح الثلاثي «1».. إسرائيل تطعن العرب بتركيا وإيران وإثيوبيا"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel